الأعمدة

ما بين مأساة صراع الميدان وانحدار أخلاق حرب الإعلام!

( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
أذكر، في مراحل حرية الصحافة السودانية، على قلة إصداراتها وأهمية دورها في قيادة الرأي العام، وخلال فترات الديمقراطية المتقطعة عقب ثورة أكتوبر 1964، أن رسامي الكاريكاتير الصحفي، وعلى رأسهم شيخهم وأستاذنا الراحل عز الدين عثمان، كانوا يرسمون البسمة على وجوه القراء في صباحاتهم، وهم يبدأون تقليب صفحات الصحف بمطالعة تلك الرسوم التي تمزج بين الطرافة واختزال وتلخيص أهم ملامح المشهد السياسي في بضعة خطوط وكلمات، قد تغني عن مقال كامل.
وكان السياسيون أنفسهم، ممن تتناولهم تلك الرسوم، أول من يقابلون صورهم بالضحكة، دون غضب أو ضيق؛ لأن الفكرة، رغم ما فيها من تفنن في رسم الشخصيات بصورة طريفة، كانت عميقة ومعبرة، تستهدف الموقف أو الفكرة أو السلوك، لا الإنسان في كرامته وشخصه.
أما الآن، فقد انقلبت الأمور رأساً على عقب، وخاصة في ظل حالة الاستقطاب الحادة التي اجتاحت الصحافة الإلكترونية والمواقع الإسفيرية، حيث بات التنابز والتحقير وسخف توصيف الشخصيات أو تصويرها بتقنيات الذكاء الاصطناعي في أشكال مشوهة ومختلفة، كطيور أو قرود على سبيل المثال، ثم تذييل تلك الصور بأقذع القول وأفظع الأوصاف، وكأن الغاية أصبحت هي قتل الشخصية وإسقاطها، لا مناقشة ما تطرح من أفكار أو مواقف.
وليت الأمر كان يقف عند حدود نقد المبادئ والسياسات والأفكار، في إطار خلاف لا يفسد للود قضية، وإنما تجاوز ذلك إلى محاولة النيل من الأشخاص وتجريدهم من إنسانيتهم، وكأن الاختلاف في الرأي أصبح مبرراً لإهدار كل ما كان بين أبناء المجتمع الواحد من روابط وقيم.
وهي، بالطبع، حرب ممنهجة، تخوضها بالإنابة عن أطراف الصراع في ميادين القتال أو حواضنهم السياسية، غرفٌ إسفيرية عالية التكلفة المادية، دقيقة المقدرات الفنية، تستخدم كل ما أتاحته التكنولوجيا الحديثة من وسائل للتأثير والتعبئة والاستعداء.
وهي، بلا شك، تمثل دوراً تكاملياً سيئاً فوق ما تفعله الحرب من قتل ودمار وشتات، وتعطيل لعجلة الإنتاج، وكسر لدورة النماء في كل اتجاهاتها.
لأنها حرب من نوع قذر، لن تبرأ جراحها مثل جراحات الحرب الميدانية التي ستنتهي، آجلاً أم عاجلاً، بصورة أو بأخرى.
غير أن جراحات النفوس التي ستتركها حرب الأحقاد، والشرخ الاجتماعي الكبير الذي أحدثته، ستظل لعقود طويلة قادمة؛ لأنها كشفت عورة إنسانية فاضحة كانت تختبئ وراء خداع بعضنا لبعض، ونفاقنا السياسي في ادعاء احترام حرية الآخرين، وأماطت اللثام عن كثير مما كان مسكوتاً عنه من النعرات وسوءات الأحقاد.
قاتل الله الحروب في كل أشكالها، الميدانية منها والإعلامية؛ فإن أضرارها على مجتمعنا ليست إلا حلقات تأخذ برقاب بعضها بعضاً.
وبكل أسف، فقد فات الأوان، في ظل هذه الحرب اللعينة، لتلافي كثير من آثارها، أو رأب الصدع الذي أصاب مجتمعاً كان، حتى عهد قريب، يوصف بأنه مكتمل المثالية… رغم أن الكمال لله وحده.
وهو من وراء القصد..

زر الذهاب إلى الأعلى