الأعمدة

من منزل المساكن الشعبية إلى مزارع كافوري.. ماذا فعلت السلطة برجال الإنقاذ؟

بالله عليكم.. كيف يمكن أن يقرأ السودانيون اليوم قصة ثورة الإنقاذ الوطني من بدايتها، دون أن يتوقفوا طويلاً أمام هذا السؤال الكبير: كيف بدأت الحكاية، وإلى أين انتهت؟
من منزل متواضع في حي المساكن الشعبية، خرجت الخطة الأمنية التي مهدت لانقلاب يونيو 1989، ذلك المنزل الذي عاش أهله ضيق الحال حتى اضطروا إلى بيعه، بحسب الرواية المتداولة في هذا الشأن. ومن هناك انطلقت المجموعة التي أوصلت عمر البشير إلى سدة الحكم، ومعه الدكتور حسن الترابي والأستاذ علي عثمان محمد طه وآخرون، تحت شعارات ومواثيق دينية وسياسية رفعت عنوان الحكم بكتاب الله وسنة رسوله.
كانت البداية من بيت بسيط.. وكان الخطاب يومها عن إنقاذ السودان، وإقامة العدل، ومحاربة الفساد، وإقامة دولة تقوم على القيم والشريعة.
لكن السؤال الذي ظل معلقاً طوال سنوات الإنقاذ، وما زال مطروحاً بعد سقوطها، ليس فقط: ماذا حدث للسودان؟
بل أيضاً:
ماذا حدث لرجالها؟
فمع مرور السنوات، ظهرت أمام السودانيين صورة مختلفة تماماً عن نقطة البداية؛ إذ ارتبط عدد من رموز النظام السابق، وفق ما هو منشور ومتداول وما يحتاج بعضه إلى توثيق مستقل، بامتلاك مزارع وفلل وعمارات وأراضٍ في مناطق مختلفة من الخرطوم والولايات.ك
وتتكرر في هذا السياق أسماء وشهادات تتحدث عن مزارع في شرق النيل، وجبل أولياء، وسوبا، ونبتة، والعزبة، وحلفاية الملوك وغيرها من المناطق، إضافة إلى عقارات في الأحياء الراقية، وعلى رأسها كافوري.
وتُتداول، على سبيل المثال، روايات عن ممتلكات ارتبطت بأسماء قيادات بارزة مثل عمر البشير، وبكري حسن صالح، وعلي عثمان محمد طه، ونافع علي نافع، وصلاح قوش، وعلي كرتي، وعبد الحليم المتعافي وغيرهم.
وهنا لا ينبغي أن تكون القضية مجرد تعداد للمزارع والفلل والعمارات، ولا أن تتحول الصحافة إلى محكمة تصدر أحكاماً بلا مستندات.
القضية الأعمق هي:
من أين جاءت هذه الثروات؟ وكيف نمت؟ وهل كانت متناسبة مع مصادر الدخل المعروفة لأصحابها؟ وما الأراضي التي حصل عليها المسؤولون قبل توليهم السلطة، وما الذي حصلوا عليه أثناءها، وما الذي آلت إليه ملكيته بعد خروجهم منها؟
هذه أسئلة مشروعة لا تجيب عنها الشعارات.
وإذا كانت هناك وثائق ملكية، وسجلات أراضٍ، وإقرارات ذمة، وبيانات مالية، وقرارات تخصيص أو تمليك، فإن مكانها الطبيعي هو المراجعة والتحقيق والتدقيق والنشر المسؤول.
أما المفارقة التي تستحق أن يتوقف عندها التاريخ، فهي أن الرجل الذي خرجت من منزله تلك الخطة الأمنية التي قادت إلى السلطة، لم يبدأ قصته من قصر، ولا من مزرعة آلاف الأفدنة، ولا من ثروة عقارية ضخمة؛ بل من بيت شعبي متواضع اضطر أهله إلى بيعه تحت ضغط ضيق المعيشة.
ومن ذلك البيت خرجت قيادة رفعت راية الإنقاذ.
ثم مرت السنوات..
وتغيرت المواقع.
وتغيرت الظروف.
وتغيرت حياة كثيرين.
وبين بيت المساكن الشعبية ومزارع وفلل وعمارات الخرطوم، تقف أمامنا مسافة زمنية وسياسية واجتماعية هائلة، تحتاج إلى أن تُقرأ بعين التاريخ لا بعين التشفي.
فالسلطة ليست غنيمة.
والحكم ليس وسيلة لتكوين الثروات.
والقسم والميثاق والشعارات الدينية لا تمنح أحداً حصانة من السؤال: من أين لك هذا؟
ولذلك فإن ملف ثروات وممتلكات المسؤولين السابقين ليس ملفاً للمكايدة السياسية، وإنما ملف دولة، وحقوق عامة، وذاكرة وطن.
إن كان المال حلالاً ومصادره مشروعة، فليُكشف عنه وليُوثق مصدره.
وإن كانت هناك ممتلكات اكتُسبت بصورة قانونية، فلتظهر مستنداتها.
وإن كانت هناك أراضٍ أو أموال عامة تحولت إلى ملكيات خاصة بغير حق، فهذه مسؤولية المؤسسات المختصة للتحقيق والمراجعة واسترداد حقوق الدولة وفق القانون.
أما أن تبقى الحكاية كلها في مساحة الروايات المتداولة والاتهامات المتبادلة، فهذا لا يخدم الحقيقة ولا ينصف أحداً.
لقد بدأت القصة من منزل متواضع في المساكن الشعبية..
وانتهت مرحلة من مراحل السودان السياسي وسط أسئلة ضخمة عن السلطة والثروة والأرض والعقار والمال العام.
وهنا يأتي السؤال الذي لا ينبغي أن يموت:
إذا كانت الإنقاذ قد جاءت لإنقاذ السودان.. فمن الذي أنقذ ثروات السودان؟ ومن الذي راقب انتقال الأرض والمال والسلطة من يد الدولة إلى يد الأفراد؟
ذلك هو الملف الذي سيكتبه التاريخ بالمستندات، لا بالشعارات.
وسيأتي يوم تُفتح فيه الدفاتر..
دفاتر الأرض، ودفاتر المال، ودفاتر السلطة.
وعندها فقط سيعرف السودانيون:
من بدأ من بيتٍ شعبي متواضع، ومن انتهى إلى القصور والمزارع والعقارات، ومن أين جاءت كل حكاية. ثم ماذا بعد ؟!

زر الذهاب إلى الأعلى