د. عبد اللطيف البوني: هل أصبح الأمن مقابل الجوع؟ سودانيون يتحملون الغلاء بعد تجربة الدعم السريع

تساءل الدكتور عبد اللطيف البوني في مقاله عمّا إذا كان السودانيون يقايضون الجوع بالأمن، معتبرًا أن احتمال الناس لغلاء طاحن، بعد أن ثاروا في الماضي لزيادة طفيفة في الأسعار، يستدعي تفسيرًا.
وبدأ الكاتب بحكاية مغترب عادي انقطع عن البلاد منذ عام 2020. نوى العودة النهائية في منتصف 2023، لكن الحرب اندلعت في أبريل من العام نفسه، فتحولت غربته إلى إجبارية. وعاد في 2026 فوجد العاصمة التي كان له فيها بيت مختلفة عمّا رآه قبل ست سنوات.
ثم توجه إلى مسقط رأسه في الجزيرة، فوجد الناس والمكان في حالة تعافٍ بعد خروج من وصفه الكاتب بـ«المعتدي الآثم». ونعم هناك بقدر من الهدوء وراحة البال، وأخذ يتأمل المتغيرات التي طرأت على الناس والمكان بسبب ما جرى.
وبحسب الكاتب، أصبح مجلس الرجل عامرًا لأنه يطرح ملاحظات متفردة غابت عن كثيرين. فمن عاشوا الأحداث تأقلموا معها وتلقوا تغيراتها على جرعات متباعدة، أما هو فتلقاها دفعة واحدة دون تدرج.
واستحضر البوني هنا نظرية الضفدعة. فقد وُضعت ضفدعة في ماء عادية تعيش فيها بسهولة، ثم ارتفعت الحرارة درجة بعد درجة وهي باقية في مكانها، حتى بلغ الماء الغليان فماتت. ورأى أن أهمية صاحبه تكمن في أنه لم يعش التغيير تدريجيًا، فتصبح ملاحظاته بمثابة جرس تنبيه قبل أن يبلغ الماء مرحلة الغليان.
وفي سوق الجزارة اليومي بالقرية، سمع الرجل الجزارين ينادون على الزبائن بعبارات مثل «بعشرة.. بعشرة» و«علينا جاي.. أبيض وسمين». ظن في البداية أنهم يعلنون سعر الكيلوجرام كما كان سابقًا، وإن كان النداء في 2020، إن لم تخنه الذاكرة، بأربعة وخمسة.
لكنه فوجئ بأن الأسعار المعلنة هي لربع الكيلوجرام، إذ لم يعد أحد يطلب كيلو كاملًا. وزادت دهشته حين طلبت امرأة «نصف ربع»، أي ثمن كيلو.
وبعد انصرافها سأل الجزار: هل يعقل أن يشتري الشخص ثمن كيلو فقط؟ فأجابه بأن ذلك يحدث مرة واحدة في الأسبوع، وأقسم له بأن هناك من لا يقف أمام الجزار لعدة أشهر متتالية، وأن عهد بيته باللحم هو عيد الأضحى.
ويتساءل الرجل الآن: كيف يعيش هؤلاء الناس، وإلى أين تنتهي هذه الحال؟ لكن البوني أشار إلى سؤال لم يطرحه صاحبه: لماذا يحتمل الناس كل هذه الضغوط، وهم الذين أحدثوا ثورة عندما زاد رطل السكر قرشًا واحدًا، وعندما ارتفع ثمن الرغيفة قرشين؟
وقال الكاتب إن الإجابة، في ظنه، تكمن في التجربة القاسية التي مر بها الناس إبان سيطرة مليشيا الدعم السريع، والتي وصفها بأنها فوق أي تصور. فقد فقد الناس الأمن، وتبع ذلك النزوح والتشرد والموت والدمار. ولذلك احتمل الخارجون من تلك التجربة هذا الغلاء الطاحن، فالمسألة في رأيه نسبية وليست مطلقة.
وعند هذه النقطة طرح البوني سؤاله المحوري: هل أصبح الجوع مقابل الأمن؟ وتساءل إلى متى سيظل الناس يستحضرون أيام الدعم السريع التعيسة لتحمل شظف العيش الذي حلّ بهم.
واعتبر أن الطبيعي كان أن تتحسن حياة الناس بعد خروج الدعم السريع، وأن عدم حدوث ذلك يعني وجود أمر غير طبيعي. وتساءل عن ماهيته وعن النتيجة التي سيفضي إليها، ووعد بمحاولة الإجابة في مقال الغد.
#عبد_اللطيف_البوني #الغلاء_في_السودان #الأمن_والجوع



