الأعمدة

*هل يتحول المثلث الحدودي إلى مثلث الموت ويغدو جبل العوينات جبل مون وجبل العقيدات جبل عامر*

*بقلم: نضال عثمان*

إن المتأمل في خارطة الصراع السوداني يدرك أن الحرب لم تعد محصورة في أزقة دارفور وسهول كردفان بل هي تتمدد كالنار في الهشيم ساعية إلى نقل لهيبها إلى قلب الشمال الآمن عبر بوابة المثلث الحدودي الذي طالما كان هادئا موحشا حتى بات اليوم يرشح ليكون مثلثا للموت ومركزا لصناعة الفوضى وإعادة إنتاج المليشيا بثوب جديد ووجه قديم.

إن جبل العوينات ذلك الطود الشامخ في عمق الصحراء لم يعد مجرد تضاريس جغرافية بل غدا هدفا استراتيجيا يراد له أن يتحول إلى جبل مون جديد فكما كانت البداية من جبل مون حيث نصبت أولى خيام التمرد وحشد المرتزقة وخزنت الأسلحة وانطلقت شرارة ابتلاع المدن فإن السيناريو ذاته يراد استنساخه اليوم في العوينات فمن يبسط يده على العوينات يبسط يده على مفاتيح الصحراء الكبرى ويتحكم في شرايين الإمداد القادمة من العمق الليبي ويؤسس لقاعدة لا تطالها المسيرات ويجعل من دنقلا ومروي والدبة مدنا تحت رحمة التهديد المباشر ويجبر القوات المسلحة على القتال في جبهات متعددة في آن واحد.

أما جبل العقيدات فهو بيت القصيد ومربط الفرس فهو ليس مجرد جبل بل هو كنز من ذهب يضاهي في بريقه وبريقه جبل عامر الذي كان مهد الإمبراطورية المالية للمليشيا ومنطلقا لتمددها العسكري والسياسي وما يجري في العقيدات اليوم هو ذات الفيلم الذي عرض في عامر بلا تحريف حيث تتسلل مجموعات في هيئة معدنين ثم ما تلبث أن تخلع ثوب التعدين لترتدي ثوب السلاح فتطرد أبناء الأرض من مناجمهم وتستجلب الغرباء من كل حدب وصوب لتأمين الجبل ثم تعلن الجبل إمارة مستقلة وتفرخ مليشيا جديدة ترفع شعارا قبليا أو مطلبيا وهي في حقيقتها امتداد للمشروع القديم فمن يملك ذهب العقيدات يملك مفاتيح الحرب لعشر سنوات قادمات ويشتري الذمم ويجند المرتزقة من أصقاع الساحل والصحراء.

إن الغاية من هذا المخطط أبعد من مجرد السيطرة على جبل أو مثلث فالمراد هو خنق السودان عسكريا بفتح جبهة شمالية تستنزف الجيش وتخفف الضغط عن فلول التمرد في دارفور والمراد اقتصاديا هو قطع آخر عرق ينبض بالذهب ويسند الدولة ويمنع تعافيها والمراد جيوسياسيا هو صناعة منطقة عازلة على تخوم مصر وليبيا تديرها المليشيا ومن يقف خلفها لتكون وكرا لتهريب السلاح والذهب والمرتزقة وورقة ابتزاز لدول الجوار.

إن التاريخ يعيد نفسه بلا مواربة وما وقع في جبل عامر لا ينبغي أن يسمح له بأن يقع في جبل العقيدات وما انطلق من جبل مون يجب أن يوأد في جبل العوينات فتأمين دنقلا لا يبدأ من دنقلا بل يبدأ من العوينات وتأمين اقتصاد السودان لا يبدأ من بنك السودان بل يبدأ من حماية العقيدات قبل أن يتحول إلى جبل عامر جديد ينجب لنا مليشيا جديدة تحاربنا عقدا آخر من الزمان فهل نتعظ قبل فوات الأوان.

*هل يتحول المثلث الحدودي إلى مثلث الموت ويغدو جبل العوينات جبل مون وجبل العقيدات جبل عامر**هل يتحول المثلث الحدودي إلى مثلث الموت ويغدو جبل العوينات جبل مون وجبل العقيدات جبل عامر*

زر الذهاب إلى الأعلى