الأعمدة

امجد فريد: ومن نهاجم إذن، يا مستشار الغفلة؟!!

علاء محمد عبدالرحيم.
■ يبدو أن أمجد فريد، مستشار البرهان للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، قد انتهى إلى اكتشاف سياسي مذهل، يستحق أن يُضاف إلى غرائب الحكم في السودان؛ أن الحكومة مسؤولة عن حماية المواطنين، ولكن لا يجوز مساءلتها إذا عجزت عن حمايتهم! فقد خرج علينا الرجل يدين قصف المعدّنين السودانيين، ثم استدار ليهاجم من انتقدوا الحكومة بسبب هذه الجريمة، متهماً بعض السياسيين باستغلال المأساة لتصفية حساباتهم مع السلطة! وهكذا، وبمنتهى البساطة، انتقلت المشكلة في عقل المستشار من دماء السودانيين التي أُريقت إلى مشاعر الحكومة التي جُرحت، ومن جريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة إلى انتقادات تستوجب التوبيخ والإدانة! وكأن حكومة بورتسودان ليست سلطة تحتكر القرار والسلاح والتمثيل الدبلوماسي، وإنما جمعية خيرية تدير شؤون البلاد تطوعاً، ويُفترض بالمواطنين أن يشكروها على ما تقدمه لهم من خدمات، حتى لو كانت تلك الخدمات لا تتجاوز إصدار بيانات التعزية والإدانة! ومن نهاجم إذن، يا مستشار الغفلة؟! هل نهاجم المعدّنين الذين خرجوا يبحثون عن لقمة العيش؟ أم نلوم أسرهم لأنها لم تمنعهم من الذهاب إلى الصحراء؟ أم نحاكم الجغرافيا لأنها وضعت الذهب بالقرب من الحدود المصرية؟ أم نطالب السماء بالاعتذار لأنها أمطرت على رؤوسهم ناراً بدلاً من المطر؟! إن العبث الحقيقي ليس في مساءلة حكومة عن عجزها، وإنما في وجود مستشار سياسي يعتقد أن من واجبه حماية الحكومة من المساءلة، لا مساعدتها على الوفاء بمسؤولياتها!
■ ولعل أكثر ما يفضح تهافت هذا المنطق أن المستشار يريد لحكومته أن تجمع بين امتيازات السلطة وحصانة العاجزين؛ أن تحكم دون أن تُحاسَب، وأن تتحدث باسم السيادة دون أن تتحمل استحقاقاتها، وأن تحتكر القرار ثم تتبرأ من نتائجه! فإذا كانت الدولة، كما قال أمجد فريد نفسه، مسؤولة عن حماية مواطنيها، فمن الذي يدير هذه الدولة يا دكتور؟ ومن الذي يملك مؤسساتها العسكرية والأمنية والدبلوماسية؟ ومن الذي يستطيع استدعاء السفير المصري، وتقديم الاحتجاجات الرسمية، والمطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين وتعويض الضحايا؟ أهي القوى المدنية التي جردتموها من كل سلطة، أم البرهان وحكومته ومستشاروه؟! والأشد إثارة للاشمئزاز أن لغة المستشار تبدو أكثر شراسة حين يتحدث عن السياسيين السودانيين الذين ينتقدون حكومته، منها حين يتحدث عن الدولة المتهمة بقتل مواطنين سودانيين! فهناك، عند أبواب القاهرة، تحضر الدبلوماسية والحكمة وضبط النفس، أما هنا، أمام المعارض السوداني الأعزل، فتُستدعى مفردات الارتزاق والمزايدة والعمالة والتعليمات الخارجية! يا لها من بطولة سياسية رخيصة؛ تستأسد على من لا يملك سلطة، وتتحصن وراء اللياقة الدبلوماسية حين يكون المطلوب موقفاً سيادياً واضحاً! ولسنا نطالب بمغامرة عسكرية مع مصر، ولكننا نرفض أن تتحول ضرورات العلاقات الخارجية إلى ذريعة لتبريد الغضب الوطني، أو أن يصبح توجيه النقد إلى حكومة بورتسودان أشد استنكاراً من الاعتداء الذي يفترض أنها مطالبة بمواجهته!
■ أما أسطوانة “استغلال الحادث سياسياً”، فهي من أكثر ذرائع السلطات العاجزة ابتذالاً، وأكثرها استخفافاً بعقول المواطنين. فمنذ متى أصبحت مساءلة الحكومات عن سلامة شعوبها انتهازية سياسية؟ وإذا لم تُحاسَب الحكومة عند وقوع الكوارث الوطنية، فمتى تُحاسَب؟ عند افتتاح الجسور؟ أم في احتفالات الاستقلال؟ أم بعد أن ينتهي البرهان من إحدى خطبه عن السيادة والكرامة الوطنية؟! إن السياسة ليست حفلات تأييد للحكام، وإنما مسؤولية عن حياة الناس ومصائرهم، ومن يحكم يتحمل المسؤولية السياسية عن أداء مؤسسات حكمه، سواء أعجب ذلك مستشاريه أم لم يعجبهم. ونحن لا نخلط بين المسؤولية الجنائية عن تنفيذ الغارات، التي تقع على مرتكبيها ومن أمروا بها، والمسؤولية السياسية للسلطة السودانية عن حماية مواطنيها والتعامل مع الاعتداء على أرواحهم وسيادة بلادهم. ولكن المستشار، فيما يبدو، يريد لهذا الخلط أن يستمر حتى يتحول كل نقد للبرهان إلى دفاع ضمني عن المعتدي! ثم ما علاقة اتهامات العمالة والارتزاق بالأسئلة التي نطرحها؟ حتى لو كان بعض المعارضين مدفوعين بحسابات سياسية، فهل يعفي ذلك الحكومة من واجباتها؟ وهل تتحول دماء الضحايا إلى شأن ثانوي لمجرد أن خصماً سياسياً طالب بالعدالة؟! إن أسوأ استغلال سياسي لهذه المأساة هو ما يمارسه المستشار نفسه؛ حين يجعل من دماء المواطنين مدخلاً للهجوم على خصوم السلطة، بدلاً من مساءلة السلطة عن أدائها. والفضيحة ليست أن يهاجم السودانيون حكومة عجزت عن حمايتهم، وإنما أن يجد هذا العجز من يتطوع لتبريره، ثم يطالب الضحايا وأسرهم والناقمين بالصمت احتراماً لهيبة الحاكم والأكثر فداحة أن هذا العبث يجري في وطن دمرته حرب عبثية، وشردت الملايين من أهله، وأفقرته سلطة عسكرية لم تُبقِ للمواطن إلا خيارات تتراوح بين النزوح والجوع والموت. فالمعدّنون الذين خرجوا إلى الصحارى لم يكونوا في رحلة ترفيهية، وإنما كانوا يفتشون بين الصخور والرمال عن رزق حرمهم منه انهيار الاقتصاد وغياب الأمن وخراب البلاد. وحين سقطوا ضحايا للغارات الجوية، لم يكن أقل ما يستحقونه من السلطة التي تزعم تمثيلهم سوى موقف واضح يضع حياتهم وكرامتهم فوق حسابات العلاقات السياسية والدبلوماسية. لكن المستشار اختار أن يوجه سهام غضبه إلى من يطالبون تلك السلطة بالقيام بواجباتها! وهنا تتجلى المأساة الأخلاقية قبل السياسية؛ أن يصبح الدفاع عن سمعة الحكومة أهم من الدفاع عن حق المواطنين في مساءلتها، وأن تتحول الوطنية إلى امتحان للولاء للبرهان، لا التزاماً بحماية الإنسان السوداني. يا دكتور أمجد، لسنا بحاجة إلى محاضرات في الوطنية من مسؤول يتضايق من النقد أكثر مما ينشغل بالأسئلة التي أثارتها الجريمة. نريد أن نعرف ماذا فعلت حكومتكم، وما الذي ستفعله، وكيف ستضمن عدم تكرار الاعتداءات، وما الإجراءات التي اتخذتها للمطالبة بالتحقيق والمحاسبة وإنصاف أسر الضحايا. هذه ليست أسئلة مرتزقة، وإنما أسئلة مواطنين يعرفون أن الحكومة ليست مالكة للدولة، وأن الشعب ليس رعية في ضيعة البرهان، وأن السيادة ليست خطبة حماسية تُلقى على الجماهير، بل مسؤولية ثقيلة تُختبر حين تُنتهك أرواح المواطنين وحقوقهم. أما الحكومة التي تريد من الشعب الاعتراف بشرعيتها دون أن يعترف هو بحق مساءلتها، فهي لا تطلب الاحترام، وإنما تطلب الخضوع!
■ وأخيراً، فإن تصريحات أمجد فريد تكشف واحدة من أكثر أمراض السلطة القائمة في بورتسودان استفحالاً؛ الرغبة في الاستمتاع بكل امتيازات الحكم مع التنصل من أبسط مسؤولياته، والمطالبة بالولاء دون استحقاقه، واحتكار الوطنية مع تجريم النقد. يريدون شعباً يهتف ولا يسأل، وصحافة تصفق ولا تراقب، ومعارضة توافق ولا تعارض، ومستشارين يجمّلون الإخفاقات بدلاً من كشفها! ولعل أمجد فريد يحتاج إلى تذكير أخير بأن وظيفة المستشار ليست أن يكون حارساً لمشاعر الحاكم، ولا محامياً يترافع عن عجزه، وإنما أن ينصحه كيف يتجنب الفشل، لا كيف ينجو من تبعاته. ونحن، يا سيدي، لا ننتقد أداء حكومتكم استغلالاً لدماء المعدّنين، بل لأن دماءهم ليست رخيصة، ولأن أرواح السودانيين ليست تفصيلاً هامشياً في حسابات السلطة، ولأن الوطنية لا تُقاس بمقدار الولاء للبرهان، وإنما بمقدار الانحياز إلى المواطن وحقه في الحياة والكرامة والأمان. فأخبرنا، بالله عليك، من نهاجم إذن؟! هل نطالب الضحايا بالاعتذار لأن موتهم وضع حكومتكم في موقف محرج؟ أم نطالب أسرهم بالكف عن البكاء حتى لا تُفسَّر دموعهم باعتبارها مؤامرة سياسية على البرهان؟! يا مستشار الغفلة، إن وظيفة المستشار أن ينصح الحاكم كيف يحمي شعبه، لا أن ينصح الشعب كيف يحمي مشاعر الحاكم! وإذا كانت حكومتكم تضيق حتى بالسؤال عن مسؤولياتها بعد سقوط المواطنين قتلى، فالمشكلة ليست في الذين يهاجمونها، وإنما في الذين يتوهمون أن السلطة حق مكتسب، وأن المساءلة جريمة، وأن الصمت واجب وطني. ولتكن هذه الحقيقة واضحة لك ولمن تستشار لصالح؛ لسنا مطالبين بالاعتذار عن مساءلة سلطة عجزت عن حماية مواطنيها؛ بل السلطة هي المطالبة بتفسير عجزها والاعتذار عنه. فمن أراد امتيازات الحكم، فليتحمل مسؤولياته، ومن لا يحتمل مساءلة الشعب، فليغادر موقع السلطة بدلاً من مطالبة الشعب بالتخلي عن حقه في المساءلة!

زر الذهاب إلى الأعلى