
✍️ محمد الفاتح حضرة
مأساة المعدّنين السودانيين في شمال شرق السودان، لم تكن مجرد كارثة إنسانية؛ بل كشفت، مرة أخرى، كيف يمكن أن تتحول المأساة نفسها إلى ساحة للتضليل السياسي والإعلامي، حين تصبح الحقيقة عبئاً على أصحاب المصالح.
🤔 لماذا انشغلت الآلة الإعلامية التابعة لجماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية وشركائها من العسكر الانقلابيين بمحاولة إقناع الناس بأن ما حدث وقع خارج حدود السودان، بدلاً من أن تنشغل بمأساة السودانيين، وبمصير الضحايا والجرحى، وبمسؤولية الدولة عن إنقاذهم وإسعافهم ودفن موتاهم؟
وهل كان اختفاء الحقيقة من المشهد كفيلاً بأن يُعفي الجيش السوداني، والدفاع المدني، والإسعاف المركزي، وسائر المؤسسات المعنية، من واجباتها القانونية والإنسانية تجاه مواطنين سودانيين وجدوا أنفسهم في قلب هذه المأساة؟!
سبحان الله.. حين يشاء الله أن يكشف حقيقة الأمور، قد يفعل ذلك في لمحة بصر، ومن حيث لا يحتسب أصحاب التضليل.
في عز المأساة، وفي وقت غابت فيه مؤسسات الحكومة الانقلابية عن القيام بواجبها المفترض تجاه الضحايا، هبّت قبائل الرشايدة والزبيدية، وهي من القبائل العربية الأصيلة في شرق وشمال شرق السودان، في فزعة واسعة، جاء أهلها من اتجاهات مختلفة لستر الموتى، ونقل الجرحى وإسعافهم إلى المستشفيات والمراكز الصحية داخل السودان.
وهنا وقعت المفارقة التي أحرجت أصحاب الرواية الإعلامية التي أرادت حجب الحقيقة عن الناس.
🤔 كيف استطاع هؤلاء المواطنون السودانيون الوصول إلى الضحايا، ونقل الجرحى إلى المؤسسات الصحية داخل السودان، بينما غابت شرطة الدفاع المدني والإسعاف وكل المؤسسات الرسمية التي يُفترض أن تكون أول من يتحرك لإنقاذ الأرواح؟!
🤔 وكيف لم ينتبه أصحاب تلك الرواية الكاذبة إلى أن فزعة الرشايدة والزبيدية نفسها تكشف زيف محاولة تصوير المأساة وكأنها واقعة قد حدثت خارج السودان، بما يوحي بأن ما جرى لا يستدعي مساءلة السلطات السودانية عن واجباتها؟!
هؤلاء الرشايدة الشجعان ورفاقهم لم يأتوا من خارج السودان، ولم يحتاجوا إلى عبور الحدود كي ينجزوا ما عجزت المؤسسات الرسمية، أو تقاعست، عن إنجازه.
🫵لقد جاءوا من داخل السودان، وتحركوا بدافع الواجب الإنساني، فستروا الموتى، وأسعفوا الجرحى، وأثبتوا أن السودانيين، حين تستدعيهم الفطرة السليمة ونداء الواجب، لا يحتاجون إلى إذن من آلة إعلامية، ولا ينتظرون توجيهاً من سلطة حتى يهبّوا لنجدة أهلهم.
وهنا جوهر القضية..
ليست المسألة في فزعة الرشايدة والزبيدية وحدها، على عظم ما تستحقه من تقدير واحترام، وإنما في المفارقة بين مواطنين استجابوا لنداء الإنسانية، ومؤسسات دولة يُفترض أن تكون مسؤوليتها الأولى حماية المواطنين وإنقاذهم.
وليست المسألة كذلك في اختلاف الروايات الإعلامية فحسب، وإنما في محاولة توظيف المأساة للتغطية على المسؤولية، وصرف أنظار الناس عن الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح بشأن واجبات السلطات وأجهزتها المختصة.
💢 في تقديري، من أخطر ما أرسته تجربة الإنقاذ، وما زالت آثاره حاضرة في المشهد السوداني، هو إخضاع الحقيقة لمقتضيات الدعاية السياسية، حتى يصبح الدفاع عن الحكومة أهم من إنصاف الضحايا، وتصبح حماية الجماعة والحزب أهم من حماية الوطن والمواطن.
ولعل ما نُسب إلى الصحفي إسحق فضل الله، في حديثه عن استخدام الكذب إذا كان يخدم ما وصفه بالدولة الإسلامية في السودان، يلخص هذه المعضلة الأخلاقية والسياسية ‼️
🤔فأي مشروع كريم هذا الذي يحتاج إلى الكذب حتى يدافع عن نفسه، وأي دولة إسلامية تلك التي يُراد لها أن تقوم على التضليل بدلاً من الحق والعدل؟!
سبحان الله..
إن نصرة الدين لا تكون بالكذب على الناس، ولا يكون الدفاع عن الوطن بتضليل أهله، ولا تكون شرعية السلطة في الهروب من المسؤولية، ولا في صناعة روايات إعلامية تستر التقصير وعدم أداء الواجب وتُغيّب الحقيقة.
الأوطان لا تُحمى بالشعارات حول العزة والكرامة، وإنما بحماية مواطنيها، وصيانة كرامتهم، والقيام بالواجب تجاههم، ومحاسبة كل من قصّر في حقهم.
أما الرشايدة والزبيدية، فقد سجّلوا في هذه المأساة موقفاً إنسانياً يستحق الإشادة، وأعادوا إلى الواجهة قيمة الفزعة السودانية الأصيلة؛ تلك القيمة التي لا تعرف الحدود التي يرسمها التضليل، ولا تفرّق بين إنسان وآخر حين يكون في حاجة إلى النجدة.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن تحجبه الضوضاء الإعلامية:
🤔 إذا كان المواطن السوداني قادراً على أن يفزع لنجدة أخيه بـ 300 سيارة ، فلماذا تعجز مؤسسات الدولة عن أداء واجبها؟
ومن الذي ينبغي أن يُحتفى به: المواطن الذي هبّ لإنقاذ الأرواح، أم الحكومة التي يُفترض أنها مسؤولة عن حماية الأرواح، ثم انشغلت الآلة الإعلامية التابعة لها بتبرير ما حدث وصرف الأنظار عن المسؤولية؟!
🫵قال رسول الله ﷺ:
«إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا».
رواه البخاري ومسلم.
وقال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة: 119]
سبحان الله..
إذا كان الله سبحانه يأمر المؤمنين بأن يتقوه ويكونوا مع الصادقين، وكان النبي ﷺ يحذّر من الكذب الذي يهدي إلى الفجور، فكيف يستقيم أن يُتخذ الكذب وسيلةً للدفاع عن مشروع يُرفع باسمه شعار الإسلام؟!
أليس من واجب من يرفعون راية الدين أن يكونوا أول الناس التزاماً بالصدق، وأشدهم حرصاً على ألا يُضلّلوا الناس أو يحجبوا عنهم الحقيقة؟!
دين الله لا يحتاج إلى الكذب أو البهتان كي ينتصر، والحق لا يحتاج إلى التضليل كي يظهر.



