الأعمدة
أخر الأخبار

عباس العشاري يكتب: بعد جلسة مجلس الأمن بشأن السودان.. ماذا بعد الدعم الدولي؟

بقلم: عباس العشاري

مقال لعباس العشاري يناقش ما بعد جلسة مجلس الأمن بشأن السودان، وفرص تحويل الدعم الدولي إلى خطوات عملية لوقف الحرب وحماية المدنيين وتحقيق السلام.

في لحظة تتجه فيها الأنظار إلى السودان، تأتي جلسة مجلس الأمن الدولي اليوم، 16 أكتوبر 2026، لتعيد طرح سؤال جوهري يتجاوز قاعة الاجتماعات والخطابات الدبلوماسية ماذا بعد المواقف الدولية؟ وهل يتحول ما يُطرح في مجلس الأمن إلى خطوات عملية تسهم في وقف الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته لقد شكلت الجلسة اليوم فرصة جديدة لعرض الأزمة السودانية أمام المجتمع الدولي، في ظل استمرار القتال وتفاقم الأوضاع الإنسانية. وقد تناولت إحاطة الأمم المتحدة استمرار تدهور الوضع الأمني، ومخاطر الهجمات بالطائرات المسيّرة، واتساع دائرة المعاناة التي يعيشها المواطن السوداني.
وفي هذا السياق، يبرز موقف مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، الذي يمثل صوت الدولة السودانية في واحدة من أهم المنصات الدولية، ويتمسك بطرح بلاده بشأن الهدنة وشروط الوصول إلى السلام. فالموقف السوداني، كما يراه مؤيدوه، لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية قبول الهدنة أو رفضها فحسب، بل من زاوية الضمانات التي تكفل تنفيذها، وتحول دون استغلالها لإعادة ترتيب المشهد العسكري أو السياسي على حساب وحدة البلاد ومؤسساتها.
لكن السؤال الأهم: ماذا بعد هذه الجلسة؟
إن قيمة أي جلسة لمجلس الأمن لا تُقاس بعدد الكلمات التي قيلت داخل قاعته، ولا بعدد الدول التي عبّرت عن قلقها إزاء ما يجري في السودان، وإنما بما ينتج عنها من إجراءات واضحة وقابلة للتنفيذ. فالدعم الدبلوماسي، مهما اتسع، يظل ناقص الأثر إذا لم يتحول إلى ضغط فعلي لوقف القتال، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع تدفق السلاح الذي يساهم في إطالة أمد الحرب.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحرك سوداني ودبلوماسي منظم، يستثمر المواقف الدولية ويترجمها إلى مطالب محددة. ويأتي في مقدمة هذه المطالب وضع ضمانات واضحة لأي هدنة مقترحة، وتحديد آليات مراقبتها، والتعامل مع الخروقات بجدية، وضمان وصول الإغاثة إلى مستحقيها دون عوائق أو توظيف سياسي.
كما أن المطلوب من مجلس الأمن ألا يكتفي بتجديد الدعوات إلى ضبط النفس أو التعبير عن القلق، بل أن يعمل على تقريب المواقف بين أعضائه، وتجاوز الخلافات التي تعطل الوصول إلى موقف عملي. فالتباينات الدولية بشأن طبيعة الضغوط المفروضة على أطراف الحرب، ومدى توسيع القيود المتعلقة بالسلاح، تظل من المسائل التي تحتاج إلى معالجة جادة حتى لا تتحول الأزمة السودانية إلى ملف مفتوح بلا نهاية.
وفي المقابل، يجب ألا يكون المواطن السوداني هو الغائب عن حسابات السياسة. فكل نقاش عن الهدنة والسلام ينبغي أن يبدأ من معاناته اليومية، ومن حقه في الأمن والغذاء والعلاج والتعليم والعودة إلى منزله. فالسلام الحقيقي ليس مجرد اتفاق بين الأطراف، وإنما واقع يشعر به الناس في حياتهم، وتنتهي فيه مخاوف النزوح والجوع وفقدان الأحبة.
إن ما بعد جلسة مجلس الأمن اليوم يجب أن يكون مرحلة اختبار حقيقي للمواقف الدولية. فهل ستتحول التصريحات إلى خطوات ملموسة؟ وهل ستنجح التحركات الدبلوماسية في الوصول إلى هدنة بضمانات قابلة للتنفيذ؟ وهل سيكون هناك تحرك جاد لحماية المدنيين ومنع استمرار الانتهاكات؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تشغل الرأي العام السوداني، وأن تكون موضع متابعة ومساءلة خلال الأيام المقبلة.
وفي النهاية، فإن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الاجتماعات وحدها، بل إلى نتائج تُقاس على الأرض. فالدعم الدولي يمثل فرصة، لكنه ليس حلاً تلقائياً للأزمة. والرهان الحقيقي هو قدرة الدبلوماسية السودانية على استثمار هذه الفرصة، وقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من مرحلة المواقف إلى مرحلة الفعل.
فبعد جلسة مجلس الأمن، لم يعد السؤال فقط: من يقف مع السودان؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا سيفعل هذا الدعم من أجل السودان، ومتى يرى المواطن السوداني أثره في حياته وأمنه ومستقبله؟

زر الذهاب إلى الأعلى