الأعمدة

النيل من الجغرافيا إلى الرمز: دراسة في شعر خليل “أفندي” فرح الجزء الأول

بقلم: – إسماعيل السيد أحمد
لم ينساب النيل بين اشعار الخليل بوصفه معلماً طبيعياً عرفته الجغرافية الطبيعية، بل تماوج بين حنايا كلماته مشكلاً ابعاد رمزية وافاق دلالية، تترقرق بالعديد من المفاهيم التي سوف يتم التطرق إليها لاحقاً.
يحاول المقال الإجابة بوصف تجريدي (Abstraction) على سؤال واحد: ما هي الدلالات والابعاد التي يتخذها النيل في شعر الخليل؟ تتطلب الاجابة على هذا السؤال تناول نماذج من اشعار الخليل بتحليل نصوصها وفحص بنيتها اللغوية، والدلالية، والرمزية، وذلك لاستيعاب الأبعاد الرمزية والدلالية لها، ومن ثم إعادة تركيبها في صياغة نقدية متكاملة.
تدفق النيل في قصيدة “الشرف الباذخ” التي كتبها الخليل ورددها طلاب الكلية الحربية إبّان ثورة 1924 مشكلاً بذلك أربعة روافد لها سيمائية التواصل ورمزية الدلالة، يستدعي الخليل من خلالها عنفوان النيل <> عند انحسار منسوب مقاومة الوطنية للاستعمار الإنجلومصري <>، مستنهضاً شموخ كبريائهم ومحفزاً عزيمة كرامتهم بسؤاله الاستفزازي من أجل استعادة تليد أمجادهم المتوارية وعزة شرفهم الضالة.
مجدك ولى وشرفك ضل** امتى تزيد زيادة النيل
من خلال البيت التالي – من ذات القصيدة- يعصم الخليل بعروة وثقى مفهوميّ الذود عن الوطن والنيل وما يحمله من دلالات (السيادة والأرض والكرامة والانتماء) من جانب، ومفهوم الموت في سبيلهما من جانب أخر، لا سيما بعد انسحاب الجيش المصري من السودان 1924ودفاع السودانيين لوحدهم عن الثورة <>.
نحن برانا نحمي حمانا** نحن نموت ويحيى النيل
وفي البيت السابق، يؤسس الخليل لمفارقة شعرية تجعل فناء الذات وبقاء الوطن ورموزه <> قيمة عليا تقتضي التضحية من اجلها <>، بما يحقق استمرار يته وديمومة الحياة التي يجسدها النيل. وبذلك تنتقل سيمائية<> من معلم جغرافي إلى رمز وطني يتصل ببقاء حرمة الوطن وصون عزة شعبه.
يستحضر الخليل <> بوصفها مواضع تتجمع فيها منافع ومصالح الناس. وبالتالي تصبح مشارع النيل مورداً للحياة، الأمر الذي يمنح النيل قيمة تتجاوز طبيعته المادية إلى رمز دال على تنمية الاقتصاد الوطني وتحقيق الرفاه الاجتماعي، ولذا يستوجب الذود عنها.
نحن نطارد العترة الفاردة** نحن نزود مشارع النيل
يمثل النيل للخليل رمزاً للوحدة والانتماء المشترك بين شعبي واديه (السوداني والمصري) وجسراً وجدانياً وثقافياً يتجاوز به الحدود السياسية والفوارق الوطنية بين الشعبين ويحقق التكامل بينهما. حيث يُعد الخليل من دعاة وحدة وادي النيل.
ما فيش تاني مصري سوداني** نحن الكل أولاد النيل
في قصيدة “طير الوادي” يرى الخليل بأن النيل لم يعد مجرد معلماً طبيعياً يشق القفار اليباب والصحاري الجُرد، بل يتحول إلى ايقونة للحياة ومصدراً للأُنس والاسترواح للناظرين إليه بما في ذلك طير الوادي.
جفال من حبايبك وما بتشيقك عاردة
والنيل بيك تأنس والصحاري الجاردة
وكما يُعد النيل عند الخليل ايقونة للحياة، فهو أيضاً يمثل رمزاً للجمال والالهام، ويتجلى ذلك من خلاله إعادة تشكيل علاقة الماء بالخضرة والجمال. حينما يخاطب “مقرن النيلين” زواره في قصيدة “مقرن النيلين” قائلاً لهم:
قال لينا دا النيل يا عزاز** الخضرة في مكان النزاز
ربط الخليل في القصيدة نفسها قصة التقاء سيدنا موسى بسيدنا الخضر عليهما السلام عند ملتقى البحرين مستلهماً بذلك سردية مفادها بأن مكان اللقاء بينهما كان عند مقرن النيلين بالخرطوم، بقوله:
قدام بشوف موسى الكليم ** ماد ايده من غرف اورشليم
استدعاء الخليل للنيل في قصيدة “ما هو عارف قدمه المفارق” هو استدعاء للذاكرة الوطنية وتاريخ التحرر من المستعمر التركومصري، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال ربط النيل بمشهد يستحضر فيه الأمام المهدي- رمز التحرر الوطني-، وهو ايضاً استدعاء يجعل النيل شاهداً على أمجاد ونضال الشعب السوداني ضد المستعمر. حيث يغدو النيل من كونه معلماً جغرافياً إلى رمز يحث على استمرارية النضال واستلهام عِبَر مُستقاة من التاريخ، واستذكار للهوية السودانية من خلال ربطه بالرموز الدينية والوطنية <>.
في يمين النيل حيث سابق** كنا فوق أعراف السوابق
الضريح الفاح طيبه عابق** السلام يا المهدي الامام
في قصيدة “قوم نادي عنان” التي نظمها الشاعر احتفاءً بزواج صديقة سليمان كِشة 1925، يستحضر الخليل “النيل الأزرق” باعتباره أحد روافده ومصدراً لجمال الطبيعة، واصفاً جمال مدينة “رفاعة” بمثابة الجنة التي تزينه، <>. وباستحضار الخليل “للنيل الأزرق” يكون قد استثمر جغرافياً في روعته ليصور من خلال تلك الروعة جمال مدينة “رفاعة”. وبذلك، تتجاوز العلاقة بين “رفاعة” والنيل الأزرق حدود الارتباط الجغرافي لتصبح مدينة “رفاعة” جزءً من القيمة الجمالية للنيل الأزرق، ويغدو النيل الأزرق رمزاً لهوية المدينة، وعنصراً أساسياً للانتماء الوجداني إليها.
هي شامة في تورنا الأبرق** هي جنة نيلنـا الأزرق
يحاول الجزء الثاني من المقال الإجابة على عدد من التساؤلات المتعلقة بالبنية الدلالية والرمزية للنيل في قصيدة الخليل «يا نيلنا يا نيل الحيا»، التي نظمها في أعقاب ثورة عام 1924؛ فيسعى إلى الكشف عن المحمولات الدلالية والرمزية التي يكتسبها النيل في نص القصيدة، واستكشاف طبيعة التضحيات الجسام التي يبدي الشاعر استعداده لبذلها في سبيله، فضلاً عن تقصّي الدوافع والأسباب الكامنة وراء هذا الاستعداد للتضحية.

زر الذهاب إلى الأعلى