
(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي..
في فرضية أهمية اكتساب أي حاكم شرعية منصبه بإرادة شعبه، لم يعد مجديًا البحث عن تلك الشرعية في سردية الهتافات العامة التي تطلقها الجماهير، وتبهرها طلة الحاكم واستعراضات العنتريات التي ولّى زمانها، بعد أن خرجت تلك الجماهير مرارًا، وعلى اختلاف العهود، تهتف للحكام، ثم دار بها الزمان لتخرج عليهم مناديةً بسقوطهم.
ولم يعد ترديد خطابات تحدي طواحين الهواء، وتخوين الآخرين وفقًا للغرض والهوى، هو السبيل الملائم لتلبية متطلبات تلك الحشود التي ستعود إلى ديارها، وهي ترتشف عرق العناء، خالية الوفاض من أي حصيلة لتلك الهيجة، سوى ركام الخيبة الناجم عن الاصطدام بواقع المشهد المزري، في ممرات حياة تتردى أحوالها يومًا بعد يوم.
واليوم، يدفع السودان وإنسانه ثمن إطالة أمد هذه الحرب، والارتهان لسراب أمل يتراقص بعيدًا في عيون النهارات، بينما يقضّ مضاجع الناس في ليل العوز والجوع والخوف من صدمة ضحى الغد المجهول.
ما أسوأ الحال حين تسقط الدولة في فجوة الضياع، بين حاكم سيادي يحلّق في يقظة طموحاته الذاتية، بعيدًا عن استشعار آلام محكوميه، وجهاز تنفيذي واهن الظهر، تائه الوجهة، لا يملك من أمره ما يؤهله لمواجهة أعباء الواقع، فيما يغرق رئيس الحكومة في خيالات التمني، وكأنما يكفي أن تُعلَّق الآمال حتى تتحقق المطالب!
وهكذا يُترك المواطن المغلوب على أمره وحيدًا في مواجهة حصاد معيشة بات انتزاع أبسط مقوماتها أشبه بالمغالبة، في ظل بؤس الموارد وشحّها، وتضخم يبتلع بنهم الوحوش الكاسرة ما يراود الناس من بقايا أحلام بإصلاح الأحوال، حتى لم تعد تلك الأحلام تجد ما يسندها في واقع يزداد قسوةً وضيقًا.
فما نيل المطالب بالتمني، وإنما تُنال بالعمل والإنجاز، واستشعار آلام الناس، وتحمل المسؤولية عن مصائرهم.
الله من وراء القصد..



