الأعمدة

حرب العبث السودانية.. ما بين طير الأبابيل وحوار الطرشان!

(موطئ قلم)
محمد عبد الله برقاوي
لم تعد الحروب في عصرنا الحديث كما كانت في سابق العهود، حين كانت تقوم على منازلة السيوف، وحشد الخيول، والاستعداد لكرّ الفرسان وفرّهم، وجمع الغنائم من المهزومين. كما لم يعد امتداد أمدها في سجال الميادين بالضرورة شبيهًا بما عرفته الحروب القديمة، مثل حرب البسوس التي امتدت عقودًا من الزمن.
فالحروب اليوم باتت تتداخل فيها مستجدات السياسة، وتشابكات المصالح، وتوازنات القوة أو اختلالاتها، إلى جانب عناصر أخرى تتحكم في مساراتها ونتائجها، حتى خارج ميادين القتال والمواجهات المباشرة على الأرض.
وإلا، فكيف يصعب على روسيا حسم حربها مع أوكرانيا، ويعجز تحالف عاصفة الحزم عن كبح تمدد الحوثيين وتهديداتهم لدول الجوار، فيما لم تتمكن الولايات المتحدة، حتى اللحظة، من حسم مواجهتها مع إيران؟
إن من يظن أن أيًّا من أطراف حربنا السودانية العبثية قادر على حسمها لمجرد ما يعلنه من انتصارات ميدانية، يغفل عن حقيقة أن هذه الحرب، بما يشوبها من عبث وتلكؤ، تكشف عن غياب الشعور الكافي لدى قادتها، من هذا الجانب أو ذاك، بحجم الكوارث الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها، وما ألحقته بالبنية التحتية من دمار، وبالخدمات، على شحها وتقطعها، من انهيار وإمحاق.
ولعل ما حدث ليلة البارحة من استهداف مسيّرات الدعم السريع محطات الكهرباء الكبرى في القضارف والفاو شرقًا، والجنيد في قلب الجزيرة، شريان السودان الأوفر حياة، يؤكد أن الحديث عن انتصارات هذا الطرف أو ذاك في جبهات أخرى لا يعدو أن يكون محض أمنيات، تكذبها الوقائع المتلاحقة على الأرض.
وهنا تتجلى صورة ما يمكن أن نسميه حرب طير الأبابيل؛ حربًا لا تكاد الأطراف تتحوط فيها لضربة في جهة من البلاد، حتى تباغتها ضربة أخرى من جهة مختلفة، وكأنما تتساقط على رؤوس الجميع من حيث لا يحتسبون، وتأتيهم من حيث لا يتوقعون.
ثم لا تلبث التبريرات الفطيرة أن تتوالى، بإرجاع الهجمات إلى هذه الدولة المجاورة أو تلك المتاخمة للحدود، وكأنما يكفي تبادل الاتهامات لتفسير ما يجري، أو أن تحميل الآخرين المسؤولية يعفي أطراف الحرب من مسؤوليتهم المباشرة عن استمرارها وتفاقم مآسيها.
بل إن مثل هذه التبريرات، مهما صحت أو بطلت، تزيد من وجوب تحميل أطراف الحرب مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية، والعمل الفوري على وقفها، والكف عن استنزاف الوقت في سجالات لا تلجم هذه المأساة، ولا تضع حدًّا لتداعياتها المتسارعة.
وفي المقابل، لا يبدو أن التوجه نحو حوار غير مرجوّ الفائدة الجادة قادر على فك عقدة الأزمة، ما لم تكن الأولوية الحقيقية هي جلوس أطراف النزاع المسلح إلى مائدة التفاوض، بجدية وإرادة صادقة، وبمساندة الجهات المعنية بجهود إحلال السلام، لوضع الخطوة الأولى التي تسبق كل خطوة أخرى على طريق إنهاء الحرب.
فلا بد من وضع حصان النوايا الصادقة أمام عربة التحرك الجاد، بدلًا من إبقاء السلام رهين التصريحات والمناورات، فيما تتسع رقعة المأساة، وتتزايد أعداد الضحايا والنازحين واللاجئين، ويظل المواطن السوداني في الداخل والخارج يدفع وحده أثمان حرب لم يخترها.
إن الأولوية التي لا تحتمل التأجيل هي وقف الحرب، وفتح المسارات الآمنة لإيصال العون الإنساني إلى ضحاياها، من سكان معسكرات النزوح، وشتات اللجوء، ومواطني الداخل في كل مكان، قبل أن تستفحل كارثة المجاعة التي بدأت تطل برأسها، لأسباب يعرف الجميع أن الحرب نفسها تأتي في مقدمتها.
فلا حوار الطرشان قادر على إيقاف حرب لا يريد أطرافها الإصغاء إلى صوت العقل، ولا سجال الميدان كفيل بوضع نهايتها، ما دامت طيور الأبابيل هذه تواصل إلقاء حممها في كل أرجاء البلاد، في أي وقت، ومن أي اتجاه، وبصورة مباغتة، مهما كان المكان نائيًا، ومهما بدت احتمالات الاستهداف بعيدة عن التوقعات.
وهكذا تظل حرب السودان تدور بين عبث الميدان وعقم الحوار، بينما تتسع دائرة الخراب، ويظل السلام هو الغائب الأكبر عن مشهد يدفع فيه الشعب وحده ثمن إطالة أمد المأساة.
والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى