
د . عبدالرافع عبدالقادر العقلي
من كلية الطب بجامعة الخرطوم إلى كلية الطب بجامعة مأمون حميدة.. رحلة التراجع الكبير – في زمن ليس ببعيد، كان الخبر الطبيعي والبديهي هو أن يذهب أوائل الشهادة السودانية إلى جامعة الخرطوم – وكان الطب في جامعة الخرطوم هو الحلم النهائي، قمة الهرم التعليمي التي لا يصل إليها إلا النوابغ. أما اليوم، فقد انقلبت الآية – اختارت الأولى على الشهادة السودانية، الطالبة النابغة – تقى النور محمد النور – أن تذهب إلى التعليم الخاص، إلى كلية الطب بجامعة مأمون حميدة للعلوم والتكنولوجيا، وتركت مقعد الطب في جامعة الخرطوم شاغراً. لم يكن قرارها قراراً أكاديمياً، فلا أحد يجادل في عراقة الخرطوم وتاريخها، بل كان قراراً اجتماعياً واقتصادياً بامتياز، ورسالة احتجاج صامتة أبلغ من أي هتاف.
لماذا تهرب الأسر السودانية من الجامعة الحكومية المجانية إلى جامعة خاصة بآلاف الدولارات؟ الإجابة التي يتهرب منها الجميع هي: السياسة.
الجامعة الخاصة تدرّس.. والجامعة الحكومية تُعطّل
المفارقة المؤلمة التي تعيشها الأسرة السودانية اليوم هي مفاضلة بين نوعين من التعليم:
جامعة حكومية:مجانية نظرياً، لكنها مكلفة جداً زمنياً. الطالب يدخل ليدرس 5 سنوات طب، فيقضي 8 و 9 سنوات بسبب الإغلاقات المتكررة، والاعتصامات، والمواجهات بين طلاب الأحزاب السياسية – المنهج لا يكتمل، والمعامل لا تعمل، والأساتذة يهاجرون. الجامعة تحولت من قاعة درس إلى ساحة صراع سياسي، والأحزاب تعتبر أن إسقاط النظام يبدأ من إسقاط إدارة الجامعة – جامعة خاصة:مدفوعة الثمن، لكنها ملتزمة بالزمن. تمنع منعاً باتاً ممارسة أي نشاط سياسي حزبي داخل حرمها الجامعي – الطالب يدخل في أكتوبر ويتخرج في أكتوبر بعد 5 سنوات بالتمام والكمال. لا إغلاق، لا ترس، لا اعتصام. وهذا ما تريده الأسرة السودانية المنهكة اقتصادياً. الأسرة التي باعت ما تملك لتعليم ابنها لا تحتمل أن يبقى ابنها 9 سنوات في الجامعة يمارس السياسة بدلاً من الطب – لقد أدركت الجامعات الخاصة والأهلية هذه المعادلة البسيطة: الأسرة تريد خريجاً، وليس مناضلاً!!!!!!!!!
أسئلة مشروعة على طاولة وزارة التعليم العالي – هذا الواقع يضعنا أمام حزمة من الأسئلة التي يجب أن تُطرح بشجاعة ودون دبلوماسية:
1. لماذا لا يتم نقل تجربة الجامعات الخاصة إلى الجامعات الحكومية؟؟؟ لماذا لا يصدر قرار واضح وصريح يمنع ممارسة العمل السياسي الحزبي داخل الحرم الجامعي الحكومي، ويحصر النشاط الطلابي في النشاط الأكاديمي والثقافي والرياضي والاجتماعي فقط
2. من المستفيد من تعطيل الجامعات؟؟؟الأحزاب السياسية التي عشعشت وفرّخت داخل الجامعات، هل تريد حقاً مصلحة الطالب، أم تريد أن تستخدم الطالب كوقود رخيص لمعاركها ضد الأنظمة؟ لقد فقد السودان بسبب هذا السلوك أجيالاً كاملة من البحث العلمي، واستنزفت الأسر السودانية سنوات من أعمارها ومدخراتها.
3. أين حق الطالب غير المسيس؟؟؟ ما ذنب الطالب الذي جاء من أقصى دارفور أو من شرق السودان ليدرس الهندسة أو الطب، ليجد نفسه رهينة لصراع بين كادرين سياسيين يغلقون الجامعة لشهور؟ أليس من حقه أن يدرس في بيئة آمنة ومستقرة؟؟؟
4. هل أصبح التعليم الحكومي طارداً للكفاءات؟؟؟عندما تختار الأولى على السودان جامعة خاصة، وعندما يهاجر أمهر أساتذة جامعة الخرطوم إلى الجامعات الخاصة والخليجية بحثاً عن بيئة عمل مستقرة، ماذا تبقى من الجامعة الحكومية غير الاسم والمباني القديمة؟
إن ما حدث ليس مجرد اختيار طالبة متفوقة، بل هو استفتاء شعبي على فشل نموذج الجامعة المسيسة – الأسر صوتت بأقدامها وأموالها. اختارت أن تدفع لتختصر الزمن، لأن الوضع الاقتصادي المتردي في السودان لا يحتمل أن يبقى الطالب 8 سنوات في الجامعة يصرف ولا ينتج.
إنقاذ التعليم الحكومي لا يكون بزيادة الميزانية فقط، ولا ببناء قاعات جديدة، بل بقرار شجاع واحد: إبعاد السياسة عن الجامعة – لتكن الجامعة للعلم، وليكن الصراع السياسي في مقار الأحزاب والبرلمان، لا في قاعات المحاضرات.
وإلا، فسنقرأ قريباً خبراً يقول: أوائل الشهادة السودانية جميعهم في التعليم الخاص وجامعة الخرطوم بلا متفوقين.
د. عبدالرافع عبدالقادر العقلي



