الأعمدة

مجلس شيخ الطيور

في غمرة حيرة شيخ الطيور، في إحدى غابات الأمازون الماطرة، أخذ يتدبر أمر غابته التي تترنح أشجارها، وتتساقط أوراقها تحت وطأة الرياح العاتية، المهددة لاستقرار أعشاش الطيور. ولم يكن ذلك وحده ما يؤرقه، بل تعديات المحتطبين، وعبث بعض القرود الذي لا يهدأ.
أشار عليه الهدهد، الذي كان قريبًا منه، بأن يجمع حوله مجموعة من مختلف الطيور، خاصة تلك التي ظلت تحوم حول عشه تزلفًا، لعلها تعينه على تدارك الأمور قبل أن تفلت من بين يديه، فيفقد سيطرته على الغابة، لا سيما وأن طيور الغابات المجاورة تتطلع لاحتلال أطرافها.
راقت الفكرة لشيخ الطيور، فأمر الديك أن يصعد إلى أعلى شجرة، وينادي الطيور لاجتماع عاجل.
ورغم الجو الرطب الخانق، حضرت أسراب تمثل مختلف الفصائل، تنفض ريشها من بلل المطر، وقد بدا عليها القلق والترقب.
جلس الهدهد عن يمين الشيخ، والغراب عن يساره. وتحدث الهدهد شارحًا هموم الشيخ، ثم كُلّف الديك بتنظيم الجلسة وإيصال مخرجاتها.
عندها أعلن الشيخ رغبته في أن يكون المجتمعون مجلس شوراه في الأيام العصيبة القادمة.
لكن سرعان ما عمّ الهرج، وارتفعت الأصوات، وكل طائر يسعى لنصيب أكبر.
تدخل الهدهد بحزم، وأمرهم بالهدوء، ثم قال للشيخ:
لا أرى جدوى من مجلس يولد في هذا المناخ من التناحر.
سأله الشيخ:
أترى أن نؤجل الفكرة؟
أومأ الهدهد، وأضاف:
ثم إن هذا العدد الكبير سيكلفك كثيرًا، فالطيور لا تتغذى على نوع واحد من الطعام، وسيُشغل خدمك بتوفير ما تشتهي، بينما ينشغلون هم بالقرب منك متذرعين بذلك.
ابتسم الشيخ وقال:
فما الرأي إذن؟
قال الهدهد:
اختر طائرين جميلين تقربهما إليك، فالجمال يلفت الأنظار ويمنحك هيبة.
همهم الجمع، لكن الديك حسم الأمر:
الكلمة للشيخ.
هنا تقدم الغراب مقترحًا:
الببغاء الأصفر والطاووس القرمزي.
قفز الوطواط هامسًا:
كلاهما يمدحك ويذمك، ويتنقلان بين الأشجار.
نقل الشيخ ذلك للهدهد، فابتسم قائلاً:
بل هما الأنسب! قرّبهما منك لتقيد ألسنتهما. فالببغاء إن ذاق عطاياك سيبتلع لسانه، ولن يفعل سوى مدحك.
ضحك الشيخ قائلاً:
“كسّار ثلج منافق”.
ثم سأل عن الطاووس.
قال الهدهد:
أسير غروره، استعرضه بين الأشجار، وسيجلب لك التأييد، وهو يظن نفسه صاحب المنصة.
أمر الغراب بالتصفيق، فصفق الجميع، واختتم الشيخ الجلسة، وطلب إعلان القرارات، والدعوة للهتاف باسمه… كلٌ بلغته.
وظل الشيخ، في أعماقه، يطارد حلمه القديم:
ديمومة الشياخة.

زر الذهاب إلى الأعلى