
هيام سلوم
ليس كلُّ من يمشي على الأرض حيًّا بالمعنى الحقيقي للحياة، فثمة أرواح تتحرك بين الناس، لكنها غارقة في موتٍ داخلي لا يُرى
موتٍ تصنعه الأنانية، وتغذّيه الأكاذيب، وتحرسه قدرة الإنسان العجيبة على تبرير أخطائه، حتى يصبح القبح في عينيه وجهًا آخر من وجوه الحق.
لكن، هل يستطيع الإنسان أن ينهض من قاع نفسه؟ وهل يمكن لمن أفسدته التجارب أو أعمته المصالح أو قادته أنانيته إلى إيذاء الآخرين أن يستعيد إنسانيته، ويبدأ حياة مختلفة عما كان عليه؟
أعتقد أن البعث الحقيقي يبدأ حين يتوقف الإنسان عن الهروب من صورته في المرآة.
فما دام يحمّل الآخرين مسؤولية أخطائه، ويبحث لكل إساءة عن مبرر، ويُتقن محاكمة الناس بينما يمنح نفسه حقَّ البراءة الدائمة، فإنه يظل أسيرًا لذاته القديمة، مهما تغيّرت ملامحه أو تبدّلت ظروف حياته. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يخطئ، بل أن يفقد قدرته على رؤية الخطأ، وأن يألف عيوبه إلى درجة يظن معها أنها جزء لا يتجزأ من طبيعته.
فالضمير لا يستيقظ دائمًا بصوتٍ عالٍ، قد يبدأ الأمر بسؤال صغير يطرق أعماقنا في لحظة صمت: ماذا فعلتُ؟
من آذيتُ في الطريق؟ وكم مرة انتصرتُ لرغبتي على حساب كرامة إنسان آخر؟
تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها قد تفتح في داخلنا أبوابًا ظللنا سنوات نتحاشى الاقتراب منها. وحين نمتلك الشجاعة للإجابة عنها بصدق، نكون قد خطونا أولى خطوات العودة إلى أنفسنا.
غير أن الاعتراف بالخطأ لا يكفي وحده. فثمة أشخاص يبكون ندمًا، ثم يعودون إلى الأفعال ذاتها، كأن دموعهم كانت وسيلة لتخفيف الشعور بالذنب، لا رغبة في تغيير السلوك. وثمة من يطلبون الصفح، لكنهم لا يتخلّون عن الأسباب التي جعلت الآخرين يحتاجون إلى مسامحتهم أصلًا.
إن التحوّل الأخلاقي الحقيقي ليس لحظة انفعال عابرة، ولا خطابًا جميلًا عن الفضيلة، بل قرار يومي شاق بأن نكون أفضل مما كنّا عليه.
أن نتوقف عن استغلال الآخرين، وأن نردّ الحقوق ما استطعنا، وأن نعتذر من دون أن نطالب المجروح بنسيان جرحه، وأن نفهم أن الندم الصادق لا يمنحنا الحق في استعجال الغفران.
فالإنسان لا يستطيع محو ماضيه، لكنه يستطيع ألّا يسمح له بأن يتكرر. ولا يملك أن يعيد إلى الآخرين ما سلبته منهم سنوات الظلم، لكنه يستطيع أن يكفّ عن إضافة مزيد من الألم إلى حياتهم. وربما كان هذا هو الامتحان الأصعب: أن نقبل بأن بعض الأضرار لا يمكن إصلاحها بالكامل، وأن تحمّل مسؤولية الخطأ يعني أيضًا احترام حق الآخرين في ألّا يسامحونا.
ولعلّ النفس البشرية أكثر تعقيدًا من أحكامنا السريعة؛ فالإنسان ليس خطيئته وحدها، كما أنه ليس نواياه الحسنة وحدها. إنه حصيلة ما فعل، وما أدركه، وما قرر أن يفعله بعد أن أدرك.
ليس مطلوبًا منه أن يصبح ملاكًا، بل أن يتوقف عن اتخاذ ضعفه حجةً لإيذاء الآخرين. وليس مطلوبًا أن ينكر ماضيه، بل أن ينظر إليه بعينٍ ناضجة، لا بعينٍ تبحث عن الأعذار. فالنضج الأخلاقي يبدأ حين نفهم أن ما مررنا به قد يفسّر بعض تصرفاتنا، لكنه لا يمنحنا رخصة دائمة لتكرارها.
وهنا تتجلّى قيمة البعث: أن يملك الإنسان شجاعة هدم الصورة الزائفة التي بناها عن نفسه، وأن يعيد بناءها على أساس أكثر صدقًا وإنسانية.
أن ينتصر على غروره قبل أن يحاول الانتصار على الآخرين، وأن يدرك أن القوة ليست في القدرة على الإيذاء، بل في امتلاك القدرة عليه ثم اختيار ألّا يؤذي.
وكم نحتاج إلى هذا النوع من البعث في عالمٍ يتقن فيه الناس تلميع صورهم أكثر مما يتقنون إصلاح ذواتهم، ويخشون انكشاف أخطائهم أكثر مما يخشون تكرارها. عالمٍ قد ينشغل فيه الإنسان طويلًا بما يقوله الناس عنه، وينسى أن السؤال الأهم ليس كيف يراه الآخرون، بل ماذا يرى حين يختلي بنفسه، وتسقط عنه كل الأدوار والأقنعة.
في النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى معجزة كي يولد من جديد، بل إلى لحظة صدق لا يساوم فيها ضميره، وإرادة لا تتراجع أمام حقيقة نفسه.
فالبعث ليس أن نخرج من أخطائنا بلا ندوب، ولا أن نمحو ما فعلناه بكلمة اعتذار، بل أن نخرج منها أكثر وعيًا، وأقل قسوة، وأكثر قدرة على فهم هشاشة الآخرين. أن نكفّ عن أن نكون السبب في دمعةٍ جديدة، وأن نحاول أن نكون جبرًا لما كسرناه، لا كسرًا جديدًا في حياة أحد.
وربما كانت أعظم انتصارات الإنسان ألّا يموت على الصورة التي عاش بها، بل أن يمتلك، ولو في آخر الطريق، شجاعة أن يصبح الشخص الذي كان ينبغي له أن يكونه منذ البداية
البعث…
حين يقرر الإنسان أن يولد من جديد.



