الأعمدة

رسائل الجمعة.. من العبد الفقير إلى ربه: د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال

*💡 إضاءة قرآنية ونبوية لجمعتنا:* *الزمن في الإسلام: احترام الوقت من احترام العهد وحقوق الإنسان*

الزمن ليس مجرد ساعات وأيام تمضي، بل هو عمر الإنسان ورأس ماله الحقيقي، ونعمة من الله لا يمكن استعادتها أو تعويضها بعد انقضائها. وكل لحظة تمر من أعمارنا هي جزء من حياتنا التي سنُسأل عنها أمام الله سبحانه وتعالى.

وقد أقسم الله سبحانه وتعالى بالزمن في سورة العصر، فقال جل شأنه:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3].

وهذا تأكيد على قيمة العمر وضرورة استثماره فيما ينفع الإنسان في دنياه وآخرته.

ولم يترك الإسلام العبادات مرتبطة برغبات الإنسان ومزاجه، بل ربطها بمواقيت محددة ينبغي الالتزام بها.

قال تعالى عن الصلاة:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].

وقال رسول الله ﷺ عندما سُئل عن أحب الأعمال إلى الله: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». متفق عليه.

وفي الصيام قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187].

وكذلك الحج، فقد جعل الله له أشهراً ومناسك ومواقيت معلومة، فقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].

وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197].

وهكذا نرى أن الصلاة والصيام والحج، وهي من أعظم العبادات، تقوم على احترام الزمن والالتزام بالمواقيت.

أما في تعاملنا مع الناس، فقد جعل الإسلام الوفاء بالعهد والوعد من أخلاق المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

وقال رسول الله ﷺ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». متفق عليه.

وقال ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ». رواه الترمذي.

*📌 اللمسة الحياتية:*

من الملاحظ أن بعض المسلمين لا يعطون الزمن والمواعيد ما يستحقانه من احترام؛ فيحدد أحدهم موعداً ثم يتأخر، أو يعد بإنجاز عمل ولا يلتزم، أو يترك الآخرين ينتظرونه دون اعتذار أو إخطار.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف يحرص الإنسان على الصلاة في وقتها، والإمساك عند الفجر والإفطار عند المغرب، وأداء مناسك الحج في مواقيتها، ثم لا يجد حرجاً في إخلاف موعد قطعه على إنسان آخر؟

إن الالتزام بمواقيت العبادات ينبغي أن ينعكس على سلوكنا اليومي، فيجعلنا أكثر انضباطاً ووفاءً واحتراماً لحقوق الآخرين.

فحين تحدد موعداً مع إنسان، فإنك بذلك تلتزم بجزء من وقته وعمره. وتأخرك دون عذر أو إخطار قد يعطل مصالحه ويفوّت عليه فرصاً لا يمكن تعويضها.

ومن هنا، فإن احترام الزمن ليس مجرد ثقافة إدارية أو عادة اجتماعية، بل هو سلوك أخلاقي يتصل بالصدق والأمانة والوفاء بالعهد.

ولذلك ينبغي أن نحرص على ما يلي:

1. *احترم مواعيدك:* لا تحدد موعداً إلا إذا كنت تنوي الالتزام به، واجعل الوفاء به مسؤولية أخلاقية.

2. *لا تهدر أوقات الآخرين:* تذكّر أن وقتهم جزء من أعمارهم، وليس من حقك الاستهانة به أو تعطيل مصالحهم.

3. *إذا طرأ ظرف، فأبلغ واعتذر:* فالظروف الطارئة واردة، ولكن من أخلاق المسلم أن يخطر الآخرين وألا يتركهم ينتظرون دون إبلاغ.

4. *لا تقدم وعداً لا تنوي الوفاء به:* فالوعد أمانة، وإخلافه دون عذر من خصال النفاق التي حذر منها الرسول ﷺ.

5. *اجعل احترام الزمن ثقافة في أسرتك ومجتمعك:* ربِّ أبناءك على الانضباط، واحرص على الالتزام في العمل والدراسة والاتفاقات والمعاملات.
6. *حاسب نفسك:* هل تحترم وقت الآخرين كما تحب أن يحترموا وقتك؟ وهل تفي بوعودك والتزاماتك؟
إن المجتمع الذي لا يحترم الزمن يصعب عليه بناء مؤسسات ناجحة واقتصاد منتج وعلاقات قائمة على الثقة. فلا يمكن بناء مجتمع منضبط ومنتج دون ترسيخ ثقافة احترام الوقت والوفاء بالعهود وتحمل المسؤولية.
*فالزمن نعمة من الله، والوفاء بالعهد من الأخلاق التي أمر بها الإسلام، واحترام وقت الآخرين احترام لحقوقهم وأعمارهم.*
وليس كافياً أن نحافظ على مواقيت عباداتنا ثم نهمل مواعيدنا والتزاماتنا مع الناس؛ فالإسلام دين عبادة وأخلاق وعمل وانضباط، وينبغي أن تظهر تعاليمه في جميع تفاصيل حياتنا.
*🤲 دعاء الجمعة:*
اللهم بارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا وأعمالنا، وأعنّا على حسن استثمار ما وهبتنا من عمر وصحة وفراغ، واجعل أيامنا عامرة بذكرك وطاعتك والعمل الصالح.
اللهم ارزقنا الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والوفاء بالعهود والوعود، وأعنّا على أداء الأمانات واحترام حقوق عبادك، ولا تجعلنا ممن يضيّعون أعمارهم وأعمار الآخرين دون نفع أو فائدة.
اللهم أبعد عنا الكسل والتسويف والتهاون، وارزقنا الهمة والعزيمة والانضباط في شؤون حياتنا، واجعلنا مفاتيح للخير، نافعين لأنفسنا وأهلينا ومجتمعاتنا.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمن نحب، وارحم موتانا وموتى المسلمين، واحفظ أهلنا وأصدقاءنا وبلادنا وسائر بلاد المسلمين من كل سوء، واكتب لنا الخير حيث كان، ثم أرضنا به، يا أرحم الراحمين.
جمعة مباركة، جعلها الله جمعة خير وبركة، وبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا، ورزقنا حسن استثمار الزمن، والوفاء بالعهود، واحترام حقوق الآخرين، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
#رسائل_الجمعة_فخرالدين

زر الذهاب إلى الأعلى