الأعمدة
أخر الأخبار

حين يشكّ العقل… تستيقظ الحقيقة

هيام سلوم

حين يشكّ العقل… تستيقظ الحقيقة

سُئل سقراط :لماذا تسأل كثيراً ولا تقدّم أجوبة جاهزة؟
فقال بما معناه لأنني أخشى أن أعيش داخل إجابة خاطئة أكثر مما أخشى أن أبقى أمام سؤال بلا جواب!
برأيكم لو عاش سقراط في زمننا، لربما احتاج إلى عمر إضافي ليسأل عن عدد الأشياء التي نصدّقها دون أن نعرف لماذا نصدّقها!

ليس كل شكّ ارتياباً، وليس كل يقين معرفة ففي المسافة الفاصلة بين السؤال والجواب تولد أحياناً أعظم الاكتشافات الإنسانية. فالشك ليس عدواً للحقيقة، بل قد يكون الطريق الأكثر نزاهة للوصول إليها، لأنه يحرّر العقل من سلطة المسلّمات، ويمنحه شجاعة النظر إلى الأشياء من خارج صورتها المألوفة.

ولعل الفكرة الديكارتية الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود» لم تكن مجرد تمرين فلسفي، بل كانت ثورة على كل ما يمكن أن يتسلل إلى العقل من أوهام. فقد جعل ديكارت الشك المنهجي نقطة انطلاق للوصول إلى معرفة لا تقوم على التقليد أو التسليم الأعمى، بل على التفكير والتمحيص.

نحن لا نشك لأننا نكره الحقيقة، بل لأننا نريد أن نعرف إن كانت الحقيقة التي نحملها حقيقة فعلاً، أم أنها مجرد فكرة ورثناها، أو قناعة زرعها الآخرون فينا، أو وهم اعتدنا تكراره حتى أصبح يشبه اليقين.

كم من إنسان أمضى عمره يدافع عن فكرة لم يختبرها، وكم من شخص اتخذ موقفاً لمجرد أن الجماعة اتخذته قبله! وكم من حقيقة ظنناها مطلقة، ثم اكتشفنا أن زاوية أخرى من النظر كانت كافية لتغيير صورتها بالكامل.

إن العقل الذي لا يشكّ يشبه نافذة مغلقة؛ يرى العالم من خلال ما علق على زجاجها من غبار، ويظن أن العتمة في الخارج، بينما المشكلة في النافذة نفسها.

هناك وجهين للشك شكّ يفتح أبواب المعرفة، وشكّ يغلق أبواب الحياة
الأول يدفعنا إلى البحث والتفكير أما الثاني فيحوّل الإنسان إلى أسير احتمالات لا تنتهي
فلا يثق بأحد، ولا يطمئن إلى شيء، ولا يستطيع اتخاذ قرار.
لذلك ليست الحكمة أن نشكّ في كل شيء، بل أن نعرف متى نشكّ، ولماذا نشكّ، وما الدليل الذي يجعلنا نطمئن أو نعيد النظر. فالشك الناضج لا يهدم من أجل الهدم، وإنما يفكك الأفكار ليعيد بناءها على أسس أكثر صلابة.

ربما كان الشك أزكى الفطن، لأنه يمنح العقل فرصة ألا يكون تابعاً لما يسمع، ولا أسيراً لما يعتقد. فليس أخطر على الإنسان من يقين لم يمرّ يوماً أمام محكمة السؤال إذ قد تكون الحقيقة على بُعد سؤال واحد، لكننا لا نصل إليها لأننا نظن أننا نملكها منذ البداية.

حين يشكّ العقل… تستيقظ الحقيقة

زر الذهاب إلى الأعلى