الأعمدة
أخر الأخبار

أوهام ومغالطات الإعلام … بوصلة المواقف … حين يُعاد إعلان الحرب لإخفاء حقيقة أنها لم تتوقف …

ثمة مفارقة تستحق التأمل في الخطاب الإعلامي الذي يطل علينا بين حين وآخر، وهو يتحدث عن أن طبول الحرب بدأت تُقرع، وأن المواجهة باتت على الأبواب، وأن المنطقة تقف على عتبة حرب جديدة. وكأن الحرب لم تقع من قبل، وكأن الصواريخ لم تتبادل، والعدوان لم يبدأ، والدماء لم تسل، والمواجهة لم تترك آثارها السياسية والعسكرية والاستراتيجية.

فأي حرب يتحدثون عن قرب اندلاعها، إذا كانت الحرب قد بدأت بالفعل، وإذا كانت تداعياتها لم تتوقف، وإذا كان العدوان لم يُطوَ ملفه حتى الآن؟

إن إعادة تقديم الحرب التي وقعت وكأنها حرب لم تبدأ بعد، ليست مجرد خطأ في التوصيف أو زلة في التعبير الإعلامي، بل هي مغالطة تحمل أبعاداً تتجاوز اللغة إلى محاولة إعادة تشكيل الوعي العام، ونقل المتلقي من حقيقة ما جرى إلى انتظار ما يُقال إنه سيجري.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: حين يصبح الحديث عن بداية الحرب وسيلة للتغطية على حقيقة الحرب نفسها!

إن الحرب لم تبدأ غداً، ولم تكن مجرد تهديدات على شاشات التلفزة، بل بدأت منذ أشهر، ودفعت المنطقة أثمانها، وشهد العالم فصولاً من المواجهة والعدوان. وإذا ما تجددت العمليات العسكرية، أو اتسعت رقعتها، أو عادت المواجهة المباشرة، فإن ذلك لا يعني أننا أمام حرب جديدة بالمعنى الحقيقي، وإنما أمام جولة جديدة من عدوان قائم، لم تُحسم نتائجه ولم تنتهِ تداعياته.

لكن لماذا يصر بعض الإعلام على استخدام مفردات البداية والاقتراب والانتظار؟

هنا ينبغي التوقف عند البعد النفسي والسياسي لهذه اللغة. فإعادة تصوير الحرب باعتبارها حدثاً مستقبلياً قد تؤدي وظيفة إعلامية تتجاوز نقل الأخبار؛ إذ إنها تتيح إعادة ضبط الرواية، وكأن ما سبق لم يكن مواجهة حقيقية، وكأن نتائج الأشهر الماضية لم تترك أثراً في ميزان القوة، وكأن الطرف الذي دخل الحرب وخرج منها مثقلاً بتداعياتها يستطيع أن يبدأ المشهد من جديد، متجاوزاً ما حدث وكأنه لم يحدث.

إنها محاولة لترميم الصورة، وإعادة إنتاج الهيبة، وصناعة انطباع بأن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك زمام المبادرة المطلقة، وأنها قادرة على فتح الحرب وإغلاقها متى شاءت، وأن ما جرى لم يكن سوى مرحلة عابرة في مشهد أكبر.

ولكن الحقائق لا تتغير بتغيير العناوين، والهزيمة لا تتحول إلى انتصار بمجرد إعادة صياغة النشرات الإخبارية، كما أن نتائج المواجهات لا تُمحى بإعلان اقتراب جولة جديدة منها.

وليس كل حديث عن احتمال التصعيد وهماً بالضرورة، فالمؤشرات العسكرية والسياسية قد تجعل احتمال تجدد المواجهة أمراً يستحق المتابعة والتحليل. لكن المغالطة تبدأ حين يُستخدم هذا الاحتمال لمحو ما وقع بالفعل، وحين يتحول التهديد بالحرب إلى بديل إعلامي عن الاعتراف بنتائج الحرب السابقة.

أما السذاجة فتتمثل في تصديق أن تكرار التهديد يعني استعادة القوة، وأن رفع مستوى الضجيج الإعلامي دليل على التفوق، وأن كل تحريك للأساطيل أو إطلاق للتصريحات النارية يعني بالضرورة أن الطرف الآخر أصبح على وشك الاستسلام.

وأما الخبث فيكمن في توظيف الخوف والانتظار، وإبقاء المجتمعات تحت ضغط نفسي مستمر، وتحويل الشاشات إلى ساحات حرب موازية، تُدار فيها المعركة بالكلمات والتوقعات والتسريبات والتهويل، حتى يصبح المواطن أسيراً لسيناريوهات تُكتب له كل يوم، دون أن يمتلك القدرة على التمييز بين المعلومة والتحليل، وبين الاحتمال والحقيقة، وبين التهديد والإنجاز.

لقد راهنت بعض الخطابات الإعلامية طويلاً على الحرب النفسية، وعلى تضخيم صورة القوة الأمريكية، وتقديمها باعتبارها قوة لا تُقاوم، وعلى تصوير الطرف الإيراني وكأنه يعيش تحت وقع التهديد الدائم، ينتظر ساعة الصفر التي يحددها الآخرون.

لكن هذا النوع من الحرب النفسية لم يعد يحقق الأثر الذي كان يُراد له، خصوصاً أمام مجتمع اعتاد مواجهة الضغوط، وأمام قيادة إيرانية تتعامل مع التهديدات بوصفها جزءاً من معادلة الصراع، لا باعتبارها أوامر تُفرض عليها من الخارج.

إن صلابة الشعوب لا تُقاس بحجم ما تمتلكه من سلاح فحسب، بل بقدرتها على الصمود، وبمستوى وعيها، وبمدى تماسكها في مواجهة الأزمات. كما أن قوة القيادة لا تُختزل في التصريحات، وإنما تُقاس بقدرتها على إدارة المواجهة، وقراءة التحولات، واتخاذ القرارات في ظروف بالغة التعقيد.

ولا يعني ذلك أن الطريق خالٍ من المخاطر، أو أن تجدد العدوان أمر مستحيل، أو أن أي طرف يمتلك ضمانة مطلقة لتجنب الخسائر. فالحروب لا تُدار بالأماني، ولا تُحسم بمجرد الثقة بالنفس، وإنما تتطلب قراءة واقعية لموازين القوة والقدرات والخيارات الاستراتيجية.

غير أن ما ينبغي إدراكه هو أن الحرب النفسية تفقد جانباً كبيراً من تأثيرها عندما يصبح الجمهور أكثر وعياً بأساليب التضليل، وأكثر قدرة على التمييز بين صناعة الحدث وصناعة صورته الإعلامية.

إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس فقط العدوان العسكري، بل أيضاً العدوان على الوعي، حين تُقلب الوقائع، وتُعاد تسمية الأحداث، ويُقدَّم المعتدي في صورة من يملك قرار البداية والنهاية، بينما يُطلب من الضحية أن تبقى في حالة انتظار وخوف وترقب.

وهكذا تمر أوهام ومغالطات الإعلام على كثيرين، لا لأنها تمتلك أدلة أقوى، بل لأنها تتكرر بكثافة، وتُقدَّم بأشكال مختلفة، وتستند إلى صناعة الخوف أكثر مما تستند إلى قراءة الوقائع.

لكن تكرار الرواية لا يجعلها حقيقة، وتضخيم التهديد لا يصنع نصراً، وإعلان اقتراب الحرب لا يمحو تاريخها.

فالحرب التي بدأت لا يمكن إعلان بدايتها من جديد كلما احتاج الإعلام إلى ترميم صورة طرف فيها. والعدوان الذي وقع لا يصبح مجرد احتمال مستقبلي لأن البعض يريد إخفاء آثاره ونتائجه.

إن قراءة الأحداث بعين الوعي تقتضي ألا ننشغل فقط بما تقوله العناوين عن الحرب القادمة، بل أن نسأل أولاً: ماذا حدث في الحرب التي سبقتها؟ وما الذي تحقق؟ وما الذي لم يتحقق؟ ومن الذي يريد أن يعيد كتابة المشهد من نقطة الصفر؟

ففي زمن الحروب، ليست كل المعارك على الجبهات، وليست كل الانتصارات في الميدان، وليست كل الهزائم معلنة في البيانات.

وأحياناً تكون أكبر مغالطة إعلامية هي أن يُطلب منك انتظار حرب جديدة، بينما الحقيقة أن الحرب القديمة لم تنتهِ بعد

بقلم جليل هاشم البكاء

 

أوهام ومغالطات الإعلام … بوصلة المواقف …

حين يُعاد إعلان الحرب لإخفاء حقيقة أنها لم تتوقف …أوهام ومغالطات الإعلام ... بوصلة المواقف ...

حين يُعاد إعلان الحرب لإخفاء حقيقة أنها لم تتوقف ...

زر الذهاب إلى الأعلى