الأعمدة
أخر الأخبار

آخر جيلٍ يتعلّم بعقله

كتب رياض الفرطوسي

سبعة من كل عشرة تلاميذ في الصف الرابع الابتدائي بفنلندا يستعينون بالذكاء الاصطناعي، وتصل النسبة إلى نحو ثمانية من كل عشرة بين من هم في السابعة عشرة. الرقمان نقلتهما (هلسنكي تايمز) عن استطلاعات لمؤسسة الأطفال الفنلندية، وكلاهما في ازدياد. يسألون الأداة عن المعلومات، ويتحدثون إليها، ويكلّفونها بالواجبات.

لو جاء هذا الخبر من بلد آخر لقرأناه إنذاراً. لكنه جاء من فنلندا، البلد الذي يُضرب بتعليمه المثل وتتصدر شعوبه مؤشرات السعادة سنة بعد سنة. وهذا يغيّر القراءة. التلميذ الذي تقف خلفه مدرسة قوية يتعامل مع الأداة كما يتعامل مع أي وسيلة جديدة: يجرّبها ويختبرها ويعرف أين ينتهي دورها. أما من لا يجد هذه المدرسة، فقد تحلّ الأداة عنده محلها. الآلة واحدة في الحالتين، والأثر مختلف.

وفي هولندا بحوث تقول شيئاً قريباً. شملت دراسة لباحثين من جامعة أوترخت 410 طلاب من 23 مؤسسة تعليمية، من الثانوية والمعاهد المهنية والجامعات، وتبيّن أن الأكثر استخداماً للأداة هم الأكثر ترحيباً بها. وذكر الباحثون أنفسهم دراسة سابقة رصدت ازدياد عدد الطلاب الذين يرون أن تسليم حل جاهز دون فهمه أمر مقبول أخلاقياً. هنا بدأ التحول الحقيقي: الاستخدام صار عادة، ثم صار منطقاً أخلاقياً.

وهناك ما هو أغرب. كشفت هيئة (NOS) أن تلاميذ يؤدون واجباتهم بالأداة دون أن ينتبه معلموهم. وذكرت (RTL Nieuws) أن أياً من الجامعات الاثنتي عشرة التي تقصّتها لا يملك أرقاماً عن الغش بالذكاء الاصطناعي في الأطروحات. فالمؤسسة التي تمنح الشهادة لا تعرف حجم ما يجري تحت سقفها. وقال باس هارينغ (فيلسوف وعالم حاسوب هولندي، أستاذ في جامعة لايدن) إن جودة الأطروحات تحسّنت كثيراً منذ ظهور الأداة لأن الجميع يستخدمها. تحسّن النص، ولا يعرف أحد على وجه اليقين هل تحسّن الفهم.

والمنع ليس حلاً. في جامعة خرونينغن يعلّم ريك فان نورد (أستاذ مساعد في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي) الطلاب أن يتعاملوا مع النموذج اللغوي كمدرّس خصوصي يحاورونه ويسألونه، لا كعامل ينجز العمل نيابة عنهم. وفي بلجيكا المجاورة يستعين نصف طلاب الثانوية بالأداة عدة مرات في الأسبوع، ويقول 62% منهم إن القواعد تتغير من معلم إلى آخر. الأداة سبقت القوانين، والمدارس تلحق بها.

قال سقراط في محاورة (فايدروس) لأفلاطون (فيلسوف يوناني) إن الكتابة ستورث الناس نسياناً، لأنهم سيعتمدون على علامات خارجية بدل الذاكرة. كان محقاً في جزء من تحذيره، لكن الكتابة بنت حضارات. الفرق أن الكتابة لم تكن تجيب عنك.

لذلك فالتحديات التي تواجه العالم أبعد من الغش في الواجب:

أن تضعف عضلة التفكير حين لا تُستعمل.
أن يصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً جديداً من عوامل التفاوت بين دولة وأخرى، وبين مدرسة وأخرى داخل الدولة الواحدة.
أن يحادث الأطفال الآلة كما يحادثون صديقاً، ويودعوها أسرارهم، دون فهم لما يحدث لتلك المحادثات.
أن يعجز التقويم عن التمييز بين ما فهمه الطالب وما قدّمته له الآلة، فتفقد الشهادة معناها شيئاً فشيئاً.
أن تسبق السرعة الحكمة، وقد استقال باحثون من شركات كبرى احتجاجاً على وتيرة التطوير، محذّرين من مخاطر تتجاوز التعليم بكثير.

وفي البلدان التي لم تُحسم فيها أسئلة التعليم الأولى، سيكون الأثر أثقل، لأن الأداة تدخل هناك على فراغ لا على أساس.

آخر جيلٍ يتعلّم بعقلهكتب رياض الفرطوسي

زر الذهاب إلى الأعلى