ما شهده السودان جراء الحرب والعدوان الذي استهدف أرضه وشعبه ومؤسساته ومقدراته ، من قتل ودمار وتهجير وتجريف ممنهج لمقومات الدولة والحياة ، يمثل واحدة من أكبر الكوارث التي عرفتها بلادنا في تاريخها الحديث ، وربما من أوسع عمليات التدمير التي تعرض لها بلد في المنطقة خلال العقود الأخيرة .
حيث لم يقتصر العدوان على استهداف المواقع العسكرية والمنشآت الحيوية ، وإنما امتدت آثاره إلى المدن والقرى والمنازل والمصانع والمستشفيات والمدارس ومرافق الخدمات ، وإلى النسيج الاجتماعي والاقتصادي للدولة والمجتمع .
وفي خضم هذه المحنة ، سجل الشباب السوداني موقفاً وطنياً استثنائياً ، حينما استجابوا لنداء الاستنفار ، وتسابقوا إلى ميادين القتال ، والتحقوا بصفوف القوات المسلحة دفاعاً عن الأرض والعرض ، وإسهاماً في تحرير المدن واستعادة مؤسسات الدولة وسيادتها .
لقد كان مشهد اندفاع هؤلاء الشباب ، بما حمله من تجرد واستعداد للتضحية ، مدعاة للإعجاب والتقدير والاحترام من العالم ، ودليلاً على أن في هذا الوطن طاقات كامنة وإرادة وطنية لا تنكسر أمام المحن والتحديات .
ولكن ، إذا كان هؤلاء الشباب قد لبوا نداء الوطن في معركة التحرير والفداء ، فإن الوطن اليوم يناديهم مجدداً لخوض معركة لا تقل أهمية ولا خطورة ؛ إنها معركة التعمير والبناء واستعادة الحياة .
فحجم الدمار هائل ولايوصف ، ومهمة إعادة بناء ما تهدم لا تستطيع الحكومة وحدها النهوض بها ، وإنما تحتاج إلى سواعد وطاقات وعقول جميع أبناء السودان بلا تمييز ، وفي مقدمتهم الشباب ، بما يمتلكونه من حيوية وحماسة وحب للوطن واستعداد للبذل والعطاء والتجرد من المصالح الذاتية .
وليس الشباب السوداني غريباً عن ميادين البناء والإنجاز .
فقد كانوا في مراحل سابقة عقولاً وسواعد وراء مشروعات استخراج النفط ، وبناء أبراج الطاقة والكهرباء ، وتشييد السدود ، وإنجاح ثورة التعليم والتوسع في مؤسساته ، كما شاركوا في بناء الصناعات العسكرية والدفاعية ، وأسهموا في إقامة المشروعات الزراعية وشركات زادنا ، وصناعة السيارات ، وأبراج الاتصالات ، وغيرها من المشروعات الإنتاجية والخدمية التي شهدتها البلاد .
إن البلاد اليوم بحاجة إلى استعادة هذه الروح ، وإطلاق مشروع وطني قومي للتعمير والنهضة ، يقوده الشباب ويشارك فيه الجميع .
فلا نهضة بلا شباب ، ولا إعمار بلا طاقات منتجة ، ولا مستقبل لدولة تعطل قدرات أجيالها وتغلق أمامهم أبواب المبادرة والإبداع .
المطلوب أن نفسح الطريق للشباب ، وأن نمنحهم الثقة والمسؤولية ، وأن ننتقل من ثقافة الانتظار والبيروقراطية إلى ثقافة المبادرة والإنجاز .
لقد آن الأوان لأن نسابق الزمن : يد على الزناد تحمي الوطن ، ويد تبني وتعمر وتعيد الحياة . وهذه ليست معادلة متعارضة ، بل مسؤولية وطنية متكاملة تفرضها طبيعة المرحلة .
فحشد الإرادة الوطنية ينبغي أن يتحول إلى برنامج عمل واضح ، تضع الدولة خطته الشاملة ، وتستنفر من خلاله الشباب ، وتوفر لهم الإمكانات والأدوات والتمويل والفرص وحرية الحركة والإبداع ، وتزيل ما يعترض طريقهم من عقبات إدارية وإجرائية . كما يتطلب ذلك تغييراً حقيقياً في أساليب التفكير والعمل ، وتحرير مؤسسات الدولة من الجمود والبروقراطية ، وجعل معيار النجاح هو ما يتحقق على الأرض من إنجاز وإنتاج وخدمة للمواطن .
ولا ينبغي أن يقتصر الاستنفار على مؤسسات الدولة وحدها ؛ فالأحزاب والحركات السياسية والمكونات الاجتماعية والمنظمات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بتوجيه قواعدها وأنصارها إلى ميادين البناء والتعمير ، وتقديم العون والمواساة والإسناد للمتضررين من الحرب .
فالمجالات واسعة ، والاحتياجات كثيرة ، وينبغي أن يكون التنافس الحقيقي بين القوى والمكونات الوطنية في تضميد جراح الوطن ، ومواساة المستضعفين من النساء والأطفال والأسر محدودة الدخل ، ورعاية أسر الشهداء والجرحى والمفقودين والأسرى ، والمساهمة في إعادة الخدمات وتأهيل المدارس والمستشفيات والمرافق العامة .
وعلى الدولة أن تقدر البذل والعطاء ، وتشجع المبادرات المجتمعية ، وتيسر للناس سبل العيش الكريم ، وتزيل من أمامهم المعوقات التي تحول دون العمل والإنتاج والاستثمار .
فالمواطن الذي صمد في وجه الحرب يستحق أن يجد دولة تسانده ، لا أن يواجه بعد الحرب حروباً أخرى من التعقيدات والرسوم والفساد وسوء الإدارة .
ولا بد من إعلان برنامج وطني متكامل لإعادة الإعمار والبناء والنهضة ، محدد الأولويات والمراحل والمسؤوليات ، تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع والشباب .
وفي المقابل ، فإن مسؤولية القيادة تقتضي أن تكون قيادات الدولة هي الأسوة والقدوة في التفاني والإخلاص ونكران الذات ، وأن تقدم للشباب والشعب نموذجاً في النزاهة والانضباط وتحمل المسؤولية .
كما تقتضي فرض سيادة القانون والحزم في مواجهة كل من يتآمر مع الأعداء ، أو يخون وطنه وجيشه ، أو يعبث بقوت الشعب ومقدرات البلاد ، من مخربين وتجار أزمات ومحتكرين ومتهربين من مسؤولياتهم الوطنية .
فمعركة التعمير لا تقل أهمية عن معركة التحرير ،
ويجب أن ندرك ، حكاماً ومحكومين ، أن المخاطر والمؤامرات التي تستهدف السودان لن تنته بانتهاء معركة أو تحرير مدينة ، فهناك أطماع في موارده وخيراته وموقعه الجغرافي ودوره الحيوي ، وهناك من لا يريد لهذه الحرب أن تتوقف ، ولا لهذه الدولة أن تستعيد قوتها وعافيتها ، ومن يراهن على إطالة أمد العدوان وإضعاف مؤسسات البلاد ، أملاً في العودة إلى مقاعد السلطة عبر التدخلات الخارجية أو فرض الإرادات على الشعب السوداني .
ولكن هيهات أن يكون الوطن غنيمة لغازٍ أو طامع أو خائن ، أو أن تتحول تضحيات أبنائه إلى جسر لتحقيق مطامع الآخرين .
إن استعادة الدولة لا تكتمل بمجرد تحرير الأرض ، وإنما تكتمل ببناء مؤسساتها ، وإعمار مدنها ، وإنعاش اقتصادها ، وتحقيق العدل والكرامة لمواطنيها .
كما أن شرعية الحكم ومستقبل البلاد ينبغي أن يستندا إلى إرادة الشعب ، فهو مصدر السلطات وصاحب الحق الأصيل ، بعد الله سبحانه وتعالى ، في اختيار من يحكمه وتفويضه وانتخابه ومحاسبته .
لقد أثبت شباب السودان أنهم لا يتأخرون عن نداء الوطن حين تستدعيهم الواجبات والتضحيات .
واليوم ، فإن الوفاء الحقيقي لتضحياتهم لا يكون بمجرد الاحتفاء ببطولاتهم ، وإنما بإشراكهم في صناعة المستقبل ، وفتح أبواب الدولة والاقتصاد والإنتاج أمامهم .
لقد استنفرتم الشباب لمعركة التحرير فتسابقوا للشهادة.. فاستنفروهم اليوم لمعركة التعمير ، وافسحوا لهم الطريق ليصنعوا المستقبل ؛ فالأوطان لا تتحرر بالسلاح وحده ، وإنما تحيا وتنهض بسواعد أبنائها وعقولهم وإرادتهم نحو البناء والنهضة .



