الأعمدة

انهيار الاقتصاد في السودان والمنهجية الكيزانية المرسومة (1)

بقلم/ إيهاب الأمين
الأزمة الاقتصادية التي يعيشها السودان اليوم تمتد جذورها بشكل مباشر إلى السياسات الكارثية التي انتهجها نظام الحركة الاسلاموية على مدار ثلاثة عقود بعيداً عما حدث بعد حرب الدعم السريع وهي حقبة سنعود إليها لاحقاً أما حقبة ما قبل الحرب فقد ارتبطت بسلسلة من القرارات والتوجهات التي دمرت البنية التحتية وافقرت المواطن وحولت الخدمات الاساسية من حقوق مجانية مكفولة إلى سلع استثمارية حكراً على فئات انتهازية محددة
بدأ منهج الانهيار الاقتصادي من تدمير القطاع الزراعي وإهمال مشروع الجزيرة وقد شكل مشروع الجزيرة على مدى عقود طويلة العمود الفقري للاقتصاد السوداني ومصدر الدخل والامان الغذائي المباشر لملايين المواطنين إذ ارتكب النظام سلسلة من الاخطاء التي ادت إلى شله تماماً ابرزها تبنيه قانون مشروع الجزيرة لعام الفين وخمسة الذي فكك منظومة الإدارة الموحدة والغائه تماسك الانتاج بعد ذلك كانت تصفية البنيات التحتية التابعة للمشروع بما في ذلك الهندسة الزراعية وسكك حديد الجزيرة التي كانت تنقل المحاصيل والمدخلات قم كان حل مجالس الانتاج وخصخصة المحالج وبيع اصول المشروع بأسعار زهيدة لشركات ومستثمرين تابعين للحزب الحاكم ولا ننسى حرمان المزارعين من التمويل الحكومي العادل وإغراقهم في ديون طائلة مما دفع بالاف الأسر إلى النزوح وترك الزراعة.
نأتي بعد ذلك إلى حدث من تدمير للخدمة المدنية وسياسة التمكين
عندما عمد النظام منذ سنواته الاولى إلى تسييس الجهاز الاداري للدولة تحت مسمى سياسة التمكين وهو ما نتج عنه انهيار شامل في الادارة الحكومية وتم فصل مئات الالاف من الكفاءات وأصحاب الخبرات الطويلة من وظائفهم تعسفياً تحت بند الصالح العام وتم استبدال الكوادر المؤهلة بعناصر انتهازية تابعة للحزب دون النظر إلى المؤهلات او القدرات الفنية وتراجعت الكفاءة الحكومية وانتشرت الرشوة والمحسوبية والفساد المالي والاداري بشكل غير مسبوق في كافة المؤسسات.
بعد ذلك حدث انهيار فظيع للعملة وتخبط نقدي إذ شهدت العملة الوطنية تدهوراً متسارعاً نتيجة لسوء الادارة النقدية وغياب الإنتاج والاعتماد المفرط على طباعة النقود وتم تغيير العملة الوطنية عدة مرات من الجنيه إلى الدينار ثم العودة إلى الجنيه مجدداً بتكلفة باهظة على الخزينة العامة مع حذف الاصفار من العملة لعدة مرات في محاولات صورية وعقيمة لمعالجة التضخم المفرط دون إصلاح الهيكل الاقتصادي ففقد الجنيه السوداني قيمته الشرائية بشكل تام مما خلق أزمة سيولة خانقة وأفقر قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والعمال.
كل ذلك وبعد أن كان العلاج والفحوصات والعمليات الجراحية متوفرة مجاناً في المستشفيات العامة وبأسعار رمزية في المراكز الصحية تم تدمير هذا القطاع لصالح الاستثمار الحزبي فتخلت الدولة عن تمويل المستشفيات الحكومية وأهملت الصيانة وحدث تجفيف للكوادر الطبية مما دفعها للهجرة وحدث احتكار استيراد وتوزيع الأدوية والمعدات الطبية من قبل شركات ومستثمرين ينتمون للحركة الاسلامية وتم تحويل الرعاية الطبية إلى تجارة استثمارية مكلفة حيث أنشئت مستشفيات خاصة باهظة الثمن عجز الفقراء تماماً عن دخولها وغدا المرض مهدداً مباشراً لحياة المواطن البسيط.
ومن أكبر جرائم الحكم الكيزاني البغيض انهيار التعليم وإلغاء نظام الداخليات وكان التعليم يشكل بوابة الحراك الاجتماعي، ومجانية التعليم كانت تضمن التكافؤ بين ابناء السودان إلا أن سياسات النظام دمرت هذه المنظومة بعد أن رفعت الدولة يدها عن تمويل المدارس والجامعات الحكومية وصار التعليم خدمة استثمارية مدفوعة الثمن غتم إلغاء نظام الداخليات والسكن الجامعي المجاني والذي كان يمثل ملاذاً امناً لطلاب الأقاليم والفقراء وقطع الدعم عن الوجبات الغذائية المجانية والسكن والترحيل التي كانت تلتزم بها الدولة سابقاً للطلاب في المراحل المتوسطة والثانوية والجامعية وانتشرت رخص التعليم عبر التوسع الكمي العشوائي في انشاء الجامعات مع غياب الجودة وتدهور المناهج والبيئة التعليمية.
ومن كوارث الكيزان الخصخصة والفساد الممنهج إذ توسعت الدولة في بيع ومصادرة مرافق حيوية أخرى كانت تدر أرباحاً وتخدم الاقتصاد مثل الخطوط الجوية السودانية والخطوط البحرية السودانية وهيئة الموانئ والاتصالات وتم بيع هذه الأصول الوطنية بأسعار بخسة لجهات نافذة او لشركات واجهات تابعة للحزب الحاكم أو لأفراد منه، وتم تحويل ريع الموارد الطبيعية والنفطية خلال سنوات الطفرة إلى حسابات خاصة او صرفها على الأجهزة الأمنية لحماية النظام بدلاً من استثمارها في التنمية الزراعية والصناعية المستدامة.
إن هذه السياسات لم تكن مجرد أخطاء عابرة بل كانت توجهاً ممنهجاً لتفكيك دولة الرعاية الاجتماعية وبناء اقتصاد موازٍ يخدم مصالح النخبة الحاكمة على حساب عامة الشعب مما أورث السودان وضعاً بائساً ومعقداً تقع مسؤوليته التاريخية والاقتصادية كاملة على عاتق الحركة الإسلامية وحقبتها المظلومة.
ونواصل

زر الذهاب إلى الأعلى