ثمة بلدان تمرّ من الجحيم وتعود.
لا لأن النيران خمدت، بل لأن الإنسان فيها قرر ألا يكون رمادًا.
رواندا، تلك الدولة الصغيرة المحشورة بين التلال العصيّة، كانت على موعد مع أكثر فصول القسوة البشرية توحشًا. عام 1994، تحولت إلى مسرح إبادة. لا حرب تقليدية، بل هياج جماعي. في مئة يوم، سقط أكثر من 800 ألف قتيل، لا لذنب اقترفوه، بل لأن هويتهم وضعتهم في مرمى السكاكين والمناجل.
كان العالم يتفرّج، والكراهية تحتفل.
لكن رواندا لم تمت.
بعد أن هدأت المقصلة، وقفت الدولة الهشة على جثثها، وبدأت رحلة لا تشبه القصص الأفريقية المعتادة. كان يمكنها أن تغرق في الانتقام والفوضى، أن تلبس قناع الضحية إلى الأبد، أن تبرر العجز بالكارثة. لكنها اختارت طريقًا آخر: طريق الدولة.
قاد بول كاغامي، القادم من رماد التوتسي، مشروعًا مركّبًا: العدالة دون انتقام، والنهضة دون نسيان. محاكم محلية حاكت الحقيقة بالخيوط الشعبية. بيروقراطية جديدة انطلقت من الصفر. وطنية لا تسأل عن قبيلة، بل عن مستقبل.
في غضون سنوات، أصبحت كيغالي أنظف من عواصم في أوروبا، وصار يُنظر إلى رواندا كأنها نبتة من الجنة استيقظت بتدبير إلهي في إفريقيا.
خرجت رواندا من الحروب إلى التكنولوجيا. من الدم إلى التنمية. دولة تعلّمت أن الخروج من الجحيم لا يكون بالبكاء عليه، بل بإغلاق أبوابه.
وفي الطرف الآخر من القارة، يقف السودان، الجريح، المنهك، الباحث عن شبيه في كتاب النجاة. الحرب فيه ليست لوحة واحدة. إنها تشظٍّ دائم، ماضيًا وحاضرًا. من دارفور إلى الخرطوم، من الهامش إلى المركز، تُعاد الأسئلة نفسها: من يملك الدولة؟ من يُعرّف الوطن؟ ومن يحق له أن يحكم؟
تقاتل الجيش وقوات الدعم السريع، وتمزّق البلد الذي كان يعدّ يومًا “سلة غذاء أفريقيا”. لم يعد هناك جيش واحد، ولا شارع واحد، ولا حكاية واحدة.
لكن، أليس في جرح السودان ما يشبه جرح رواندا؟
أليس في الدم السوداني فرصة لإعادة تعريف المعنى، لا الاكتفاء بالندب؟
ما بعد الحرب ليس “العودة إلى ما قبلها”. فذاك الخراب أصلاً كان أرضًا خصبة للانفجار. ما بعد الحرب يجب أن يكون حلمًا جذريًا:
• مصالحة حقيقية لا تحتمي بالخطابات والتلويح بالانفصال، بل تواجه الوحش الذي بداخلنا.
• دولة للمواطن، لا للمحاصصة ولا للرتب.
• تعليم يخلق جيلًا لا يسأل “من أين أنت؟” بل “إلى أين نذهب؟”.
• نخبة لا تشتري الوقت، بل تكتب التاريخ الجديد.
رواندا لم تُبعث لأن الأمم المتحدة أنقذتها. بل لأنها قررت أن تمسك معولها وتبني.
والسودان؟
لديه الأرض، والعقول، والتاريخ، والموهبة.
ما ينقصه فقط: قرار بالحياة.



