
على الكبير…
في شأن الفضائح التي تتكشف في دول الغرب أحيانا كفضيحة (إبستين) فإن أكثر ما يهمنى ويشغلنى دائما ليس الحدث قدر ما يهمنى كيف تنظر وتتصرف الشعوب الموبوءة بالفساد والإستبداد في الجانب الآخر. فأنا أراهم من شدة طغيان الفساد في بلدانهم وما أعتادوه ما عادوا يستطيعون حتى التفريق بين الطيب والفاسد والحق والباطل. وبإمكان قارئى أن يعتبرنى مغردا خارج السرب أو،، مفكرا خارج الصندوق إن أراد.
فمع كل فضيحة تكشف فى الغرب فإن أول ما لا يعرفه الكثر عندنا أو يتجاهلونه عن قصد هو أن فضح الفضيحة دائما ما تكون من قبل أدوات تلك الدول ذاتها، سيما مؤسساتها المحترمة والراسخة، وفى مقدمتها أجهزتها العدلية وصحافتها الحرة. بينما في دولنا إذا ضربك رئيس مخفر كفا على خدك الأيمن فلا تملك إلا أن تدير له الأيسر أيضا وتأكلها في حنانك. وأما إذا ما إجترأت على كشف فساد مسئول فإنك سوف ترى نجوم الظهر إنت واللى خلفوك، هذا إذا لم يذهبوك خلف الشمس. في الغرب فإن مجرد كذب مسئول مهما كانت مكانته يعتبر حنثا باليمين وإخلالا بالشرف. وغالبا ما يؤدى إلى الإستقالة أو السجن. وأما عندنا فإن الكذب بالرغم من إستفحاله فقد أصبح مزية يحتفى به، ويختال ممارسوه أمام الجميع بكل فخر وعزة إثم؟!
يقال أن المخلوع أصدر يوما توجيها يفيد بأن كل من يملك أدلة على فساد مسئول أن يقدمها. صدق ذلك أحدهم وقام بتقديم أدلة شافية كافية على فساد المسئول الذى يعمل تحته، ولكنه بدل أن يبيت في منزله بات في السجن؟!!. حقق معه، ورفت من وظيفته، وضيق عليه في رزقه فأضطر إلى مغادرة الغابة. وبالطبع حيث لا قانون ولا مساءلة فلا فرق بينه وبين الغابة. حمل هذا الخبر عنوان “محاربة الفساد” ولكنى أفضل عنوان “محاربة الصلاح” بدلا منه. فهناك فرق بين أن تحارب الفساد كإنحراف سلوكى وقيمى، وبين أن تحارب الصلاح كقيمة أخلاقية في نفوس وضمائر الناس. أذكر أننى شاهدت أيضا المخلوع في فيديو يوثق حرصه على ضمان عمولة لشخصة في صفقة مشروع للدولة ولما لم يحصل عليها ألغى المشروع من الأساس. وفى الواقع فأنا لم أر في ذلك أية غرابة، فالرجل كان يتصرف بكامل الإتساق مع نزعاته ومفهوماته عن الدولة التي كان يجلس على رأسها. فقد كان يتصرف من منطلق أنها دولة “غنيمة”.
ونحن بإزاء هذا الضرب من الداء المتمثل في الكذب وإنعدام العدالة تبرز ثلاثة مفارقات. الأولى هى إدعاءنا بأننا نمثل الإسلام الذى ندعوا الآخرين إلى إعتناقه وهم ينظرون. والثانية، هي أنه حتى الدول الشمولية الفاشية هي أفضل حالا منا في الكثير من الإجراءات التي تكافح الفساد مع قدر عال من الحرص على العدالة والمساواة. فالصين وكوريا الشمالية غالبا ما تعدمان الفاسدين وأما المحظوظون منهم فهم أولئك الذين يقضون عقودا في السجون أو الأعمال الشاقة جراء فسادهم. لقد أعمت الصين الكثر من هذه الأنما ومن بينهم رئيس شركة كانت تخلط لبن البودرة المخصص للأطفال بمواد مسرطنة. تخيل لو أنه تم تطبيق مثل هذه العقوبة في بلادنا العربية؟ جراء الرشوة أو الكذب أو السرقة أو الإبتزاز أو المحاباة أو المحسوبية وهلم جرا؟ والثالثة وهى الأسوأ والأكثر خطرا، وهى أن أمثال هؤلاء الفراعنة وهذا الفساد “المقدس ما كان يمكن أن يصل كل هذا الحد لولا بيئة إجتماعية تعضدها بثقافة الدين الموازى لا الدين الأصلى. ذلك الدين المصنوع لأجل الحكام المتغلبين والذى يمتح من فقه الجبر والإرجاء. فحديث واحد وهو صحيح بحسب مصححيه يكفى لأن يجعلنا نمضى عكس السنن إلى يوم القيامة: (أسمع وأطع الأمير وإن جلد ظهرك وأخذ مالك….) حديث حذيفة بن اليمان الذى تم ترقيعه مرارا وتكرارا. وما زال الناس في بلادى يتساءلون: لماذا لا يخاف الله فينا حكامنا ومن أين أتوا أصلا؟؟؟
الغرب ليس ملائكيا ولا مدينة فاضلة ولكنه قياسا إلى بلداننا فإن مستوى الحرية والعدالة والمساواة التي تعيشها مجتمعاتها تجعله أقرب ما يكون إلى جنان أرضية. وفى هذا تفصيل كثير ربما تحدثنا عنه في منشور آخر. دعونا ننشغل بأنفسنا أكثر مما ننشغل بالغرب فالواقع أنه ما ينبغي أن ننتقد أي شيء في الغرب حتى عندما يغزونا، اللهم إلا إذا أصلحنا أنفسنا وفهمنا ما يعنى الإسلام. ولأجل هذا فإن أول ما نحتاجه هو إعتماد أصول جديدة للفقه الإسلامي.



