


كتب: معاوية أبوالريش
في بلدٍ ينام أهله على وعد بالكهرباء ويستيقظون على خيبة معتادة، حيث الصنبور جفّ حتى من الذكرى، والمستشفى بابه مفتوح لكن جدرانه خاوية من كل شيء إلا الانتظار – يمر موكب فاره، لامع، متبختر، وكأنه يسخر من كل هذا البؤس علناً، دون أن يكلف نفسه حتى عناء التخفي.
“حسبة الفقير التي لا يفهمها الموكب”
سيارة واحدة من هذا الرتل، بجلدها الفاخر ومكيفها الذي لا يعرف الانقطاع، تكفي وحدها لإنارة حيٍّ كامل بمولدات أو ألواح شمسية تدوم سنوات. لكن يبدو أن “الإنارة” هنا لها معنى واحد فقط: أضواء الكشافات الأمامية للسيارة، لا مصباح بيت فقير ينتظر منذ سنة الكهرباء.
اضرب ثمن السيارة الواحدة في عدد سيارات الموكب، واطرح الناتج من معاناة شعبٍ بأكمله، ستجد أن المعادلة لا تُحل بمنطق، بل بوقاحة: موكب واحد = محطة كهرباء ضائعة، ومدينة معتمة، ووعدٌ آخر يُدفن حياً.
“فخامة تتبختر فوق أنقاض الخدمات”
يتبختر الموكب في الشارع الترابي وكأنه يقول للمواطن الواقف على الرصيف: “انظر جيداً، فهذا ما تبدو عليه أولوياتنا”. لا يحتاج الأمر إلى تحقيق استقصائي معقد لفهم المعادلة: من يملك رفاهية موكبٍ بهذا الحجم، لا يملك ذرة اهتمام حقيقي بمن يمشي كيلومترات بحثاً عن جالون ماء.
“حين يتحول الفساد إلى “بروتوكول رسمي”
الأنكى من الفساد نفسه أن يتحول إلى مشهد “طبيعي” لا يستفز أحداً. تمر المواكب، وتُطفأ الأنوار، ويصمت الجميع، وكأن هذه هي “قواعد اللعبة” المتفق عليها ضمناً بين حكومةٍ تستعرض وشعبٍ أنهكه الانتظار حتى فقد صوته.
“سؤال بسيط لن يُطرح في أي اجتماع رسمي”
من يجرؤ أن يقف في اجتماع الحكومة ويسأل: “هل نحتاج فعلاً كل هذا الأسطول، بينما ثمن سيارة واحدة منه يوقف العتمة عن حيّ كامل؟” الجواب معروف سلفاً: لا أحد. لأن هذا السؤال يُصنَّف في قاموسهم “تطاولاً غير مبرر” على من “يستحقون” الفخامة وسط الخراب الذي صنعوه أو تركوه يتمدد.
“بين حرب حقيقية وفساد لا يعرف الحرب”
من الإنصاف القول إن الحرب في السودان خلّفت دماراً هائلاً في البنى التحتية، وأن جزءاً من انهيار الكهرباء والمياه سببه المباشر النزاع المسلح لا سوء الإدارة فقط. لكن هذا لا يبرر شيئاً، بل يفضح المفارقة أكثر: في زمن الحرب تحديداً، حين تشح الموارد، يُفترض أن تُصان كل قطرة منها لا أن تُبذّر على مواكب تُستعرض في شوارع ترابية أمام أعين شعبٍ يحترق بنيران الحرب من جهة، ونيران الإهمال من جهة أخرى.
“موكبٌ يضيء نفسه ويُطفئ البلاد بأكملها”
في النهاية، لا أحد يطلب من المسؤول أن يمشي على قدميه أو يركب دراجة. لكن حين يتحول ثمن سيارة واحدة إلى فرصة ضائعة لإنارة حيّ، وثمن الموكب كله إلى مدينة معتمة، يصبح كل حديث عن “دولة تخدم شعبها” مجرد نكتة سمجة يرويها الفاسدون لأنفسهم في مواكبهم اللامعة، بينما الوطن الحقيقي يغرق في عتمته الأبدية.



