الأعمدة

عاشت قصيعر : المايسترو القحوم والقيثارة سعيد سلوم

كتب: عثمان عمرو الغتنيني
تشرفت الجوهرة قصيعر بزيارة المايسترو محمد القحوم، عازف الأوبرا الذي يحظى بشعبية عربية وعالمية كموسيقار لا يُشق له غبار.
المايسترو القحوم لفّ الدنيا بحالها، وعاد ليعزف الأوبرا ويوصل الفن اليمني إلى العالم أجمع. يوم أمس كان في زيارة لمدينة قصيعر، بلد الفن والتراث والموروث الشعبي، بلد الشهيد محمد سعيد باعباد الذي استشهد في فلسطين دفاعاً عن هذه الأمة العربية الجريحة، ونُقل جثمانه الطاهر عام 1970 إلى قصيعر ليدفن في ترابها ويروي تاريخها بدمه.
ولا ننسى الجانب البحري، فهي بلدة النواخيذ والملاحين الذين كانوا يطوفون إفريقيا والهند وشرق آسيا عبر السفن الشراعية. من مينائها خرجت “السنابيق” محملة بالبخور واللبان، وعادت محملة بالحكايات والتجارة والثقافة. بحر قصيعر كان مدرسة للرجولة، وموجها كان يكتب قصائد السفر والغربة.
وهي كذلك غنية بالأدب والثقافة. فمن ينسى الأديب الحضرمي الكبير صالح سعيد باعامر الذي أثرى المكتبة اليمنية؟ ومن ينسى القاص والمؤرخ والأديب الشهير أحمد سعيد باعباد الذي وثّق تاريخ المشقاص بحبر من ذهب؟ ومن ينسى الشاعر سعيد بلكديش الذي كانت قصائده ترددها الركبان؟ وغيرهم كثير من أعلام الفكر والأدب الذين أنجبتهم هذه الأرض الطيبة.
هذه البلدة التي شهدت طفرة فنية إبان السبعينيات، وكان لها صيت وأخبار في الفن وغيره. فمن ينسى الفنان عبدالله حمزة باعباد الذي شنّف آذاننا في فترة السبعينيات وبداية الثمانينيات، ثم توقف عن الفن لفترة طويلة؟ وعاد في التسعينيات بعد إلحاح الجمهور عليه، وغنى رائعته “أهواك وإن قصر الجفا أو طال”، فوقف له الجمهور احتراماً وحباً بعد عودة حمزة من غياب طويل. ومن ينسى الموسيقار عوض بن ساحب الذي عزفت أنامله ألحاناً لا تزال خالدة في وجدان المشقاص؟
قيثارة الطرب المشقاصي، الفنان الشاب سعيد سلوم من مواليد التسعينيات، الذي نشم فيه رائحة عبدالله حمزة باعباد، كان على أحرّ من الجمر لاستقبال المايسترو القحوم. والتقى الأحباب بعد غيبة. لقاء جيلين من الإبداع: جيل عبدالله حمزة الذي حمل الفن في السبعينيات، وجيل سعيد سلوم الشاب الذي يحمل اليوم نفس الروح ويوصلها إلى الأوبرا والعالمية مع المايسترو.
لقد نوّرت قصيعر بأول زيارة لهذا العبقري الحضرمي الأنيق، الذي بدوره سعد جداً عندما شاهد الحفاوة والترحيب من أبناء قصيعر.
قصيعر التي أنجبت الشهداء والفنانين والنواخيذ والأدباء. التي دفنت في ترابها بطلاً استشهد في فلسطين، وحملت سفنها حضارتنا إلى موانئ الدنيا، وصدحت حناجر شعرائها وفنانيها بأعذب الكلام. تفتح اليوم ذراعيها لموسيقار يرفع اسم اليمن في محافل العالم.
هذا هو المشقاص… تاريخ من التضحية، وتاريخ من الفن، وتاريخ من البحر والأدب.
وفي الختام لا يسعني أن أقول إلا كما قال الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقيه: *عاشت قصيعر*.

زر الذهاب إلى الأعلى