
نزار عثمان السمندل
قبل أن تبدأ المفاوضات الحقيقية بين واشنطن وطهران، يتراءى شبحٌ قديم من ركام الصحراء الليبية. اسمه معمر القذافي. ليست القضية أجهزة طرد مركزي نُقلت إلى طائرات أميركية، ولا وثائق انتهى بها المطاف في مختبرات تينيسي، بل قصة تحوّلت في الوعي الإيراني إلى ما يشبه التحذير الدائم من مصير الذين يسلّمون أوراق قوتهم ثم ينتظرون الرحمة.
الحرب عادت إلى المنطقة. الدخان يتصاعد فوق مناطق النفوذ المتصارعة. الحديث يتكاثر عن تفاهمات أميركية ـ إيرانية محتملة، وعن أثمان قد تُدفع وأخرى ستُطلب.
غير أن العقدة الحقيقية لا تتعلق بالأموال المجمدة أو بحرية الملاحة في مضيق هرمز. العقدة تقيم في مكان أعمق بكثير: داخل العقل السياسي الإيراني نفسه، حيث استقرت قناعة صلبة مفادها أن الدول التي تتخلى عن عناصر الردع الاستثنائية تكتب بنفسها الفصل الأخير من تاريخها.
ففي ذاكرة القيادة الإيرانية، يقف القذافي شبحاً حياً لا يغادر المشهد. الرجل الذي طارد الحلم النووي منذ ثمانينيات القرن الماضي، واستعان بشبكات السوق السوداء وخبراء الانتشار النووي، انتهى به الأمر إلى فتح أبواب منشآته وتسليم أسراره.
جاءت سنوات العقوبات الثقيلة، ثم الهزة التي أحدثتها وقائع الحادي عشر من سبتمبر، ثم الرسائل الأميركية القاسية التي حملت خياراً واحداً: التفكيك أو المواجهة.
استجاب القذافي. بدأت اللقاءات السرية. انتقلت الوثائق والمعدات. تحركت الطائرات العسكرية الأميركية محمّلة بأجزاء من البرنامج النووي الليبي. وفي ديسمبر 2003 أعلن الزعيم الليبي قراره التاريخي بالتخلي عن برامج أسلحة الدمار الشامل.
في الرواية الإيرانية الرسمية، تبدأ المأساة من تلك اللحظة. يختفي البرنامج، ثم يختفي النظام نفسه بعد سنوات قليلة. يتدخل حلف شمال الأطلسي، يسقط القذافي، وتدخل ليبيا زمناً طويلاً من الفوضى والانقسام. هكذا تشكلت لدى طهران معادلة شديدة البساطة: من يتنازل عن أدوات القوة يفتح أبواب بلاده أمام العاصفة.
علي خامنئي كان من أكثر المؤمنين بهذه الخلاصة. كررها في خطب متعددة، واستعاد التجربة الليبية كلما اقترب الحديث من ملفات التفكيك والتنازلات.
لم يكن يرى في ما جرى للقذافي مجرد حادثة سياسية، بل درساً قاسياً في طبيعة النظام الدولي، حيث لا مكان للضعفاء ولا ضمانات دائمة للاتفاقات.
لهذا السبب تحديداً يثير مصطلح «النموذج الليبي» حساسية استثنائية في طهران. فحين يطالب مسؤولون إسرائيليون أو كتّاب أميركيون بتكرار تجربة عام 2003 مع إيران، لا يُنظر إلى الأمر على أنه اقتراح فني لمعالجة الملف النووي. يُقرأ باعتباره حديثاً عن تفكيك مصادر القوة تمهيداً لإضعاف النظام نفسه.
لكن التاريخ أكثر تعقيداً من القصص التي تصنعها الأنظمة لنفسها.
سقوط القذافي لم يبدأ داخل المنشآت النووية. بدأ داخل المجتمع الليبي. أربعون عاماً من الحكم الفردي، والفساد، والقمع، والاختلالات الاقتصادية، صنعت بيئة قابلة للانفجار. جاءت الانتفاضة الشعبية لتكشف هشاشة البنيان الذي بدا صلباً من الخارج. وعندما اندلعت النار في الداخل، لم يكن في مقدور أي برنامج تسليحي أن يطفئها.
الأمر نفسه تكرر بأشكال مختلفة في تجارب أخرى. انهار المعسكر الاشتراكي رغم الترسانات النووية الهائلة. وسقطت أنظمة امتلكت جيوشاً ضخمة وأجهزة أمنية مترامية الأطراف، ثم اكتشفت أن الخطر الأكبر كان يتشكل في شوارعها ومؤسساتها واقتصاداتها المتآكلة.
هنا تكمن المفارقة التي تواجه إيران اليوم. فالنقاش الدائر داخل دوائرها المتشددة ينطلق من سؤال: كيف نحمي النظام من الأعداء الخارجيين؟ بينما يقترح التاريخ سؤالاً مختلفاً تماماً: كيف نحمي الدولة من عوامل التآكل التي تنمو في داخلها؟
مع ذلك، لا تنظر القيادة الإيرانية إلى البرنامج النووي كملف أمني فحسب. خلال سنوات طويلة تحوّل هذا البرنامج إلى جزء من الأنشودة الوطنية الإيرانية. أصبح رمزاً للاستقلال، وعنواناً للصمود، وشعاراً يتجاوز الحسابات التقنية الباردة. لذلك يبدو التخلي عنه تحت الضغط أقرب، في نظر كثيرين داخل النظام، إلى اعتراف سياسي ومعنوي بالهزيمة.
انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 عمّق هذا الشعور. ترسخت قناعة لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين بأن التعهدات الغربية قابلة للتبدل مع تغير الإدارات والظروف. ومنذ ذلك الحين لم يعد الملف النووي مجرد مشروع علمي أو اقتصادي؛ صار جزءاً من معركة الهوية والسيادة والكرامة الوطنية.
بين ليبيا الأمس وإيران اليوم يقف درس بالغ الحساسية. الدول لا تسقط بسبب سبب واحد، ولا تنجو بسبب سلاح واحد. القوة العسكرية تمنح وقتاً إضافياً، لكنها لا تشتري الشرعية. والبرامج النووية قد تؤخر المواجهات، لكنها لا تعالج أزمات الإدارة والحكم والاقتصاد.
لذلك تبدو طهران عالقة بين خوفين متوازيين: خوف من مصير القذافي إذا تخلت عن أوراق القوة، وخوف من مصير أنظمة أخرى تجاهلت الشروخ التي كانت تتسع في جدرانها الداخلية.
وفي المسافة الفاصلة بين الخوفين يُكتب اليوم أحد أكثر فصول الشرق الأوسط تعقيداً وغموضاً.



