الأعمدة

الكذب في فكر الإسلامويين السودانيين.. من فقه الضرورة إلى عقيدة سياسية..!!‏

بقلم خالد ابواحمد
حين نتأمل تجربة الحركة الإسلاموية في حُكم السودان، نجد أن الكذب لم يكن مجرد أداة عرضية في ‏مسيرتها، بل كان جوهرًا في بنائها الفكري والسياسي وممارستها اليومية‎ ‎فمنذ لحظة وصولها إلى السُلطة لم ‏تتعامل الحركة مع الكذب كعيب أخلاقي ومنهي عنه دينيا، بل كوسيلة للبقاء وغطاء سياسي تُبرره فتاوى “فقه ‏الضرورة”، وهكذا تحوّل الكذب إلى ما يشبه العقيدة السرية، التي يُدار بها الإعلام والاقتصاد والسياسة، ‏وحتى الطقوس الدينية المرتبطة بفكرة “الشهادة” والجهاد‎.‎
منذ البدايات، كان الإعلام الرسمي يضجّ بحكايات عن إنجازات لم يرها أحد، في نشرات الأخبار، كانت ‏الصور تُعرض على أنها “نجاحات الموسم الزراعي”، والحديث يدور عن “الاكتفاء الذاتي”، فيما كان ‏الفلاحون في الجزيرة وكسلا وسنار يئنّون من الفشل والجفاف، كان الفرق شاسعًا بين الواقع والحكاية، بين ‏الأرض الجرداء التي يعرفها الفلاح، وبين شاشة التلفزيون التي تبث صورًا لحقول مزدهرة مستعارة من ‏أرشيف قديم، لم يكن هذا مجرد خطأ إعلامي، بل ممارسة متعمدة لتزييف الوعي.‏
في حوار أجرته الزميلة الصحفية لينا يعقوب عام 2014، قدّم الكاتب إسحاق أحمد فضل الله‎—‎أحد أبرز ‏الأصوات الدعائية للحركة الإسلاموية—اعترافًا نادرًا وصادمًا، فقد قال بوضوح إنه يتعمد الكذب في ‏مقالاته، واعتبر ذلك “قتالًا معنويًا” يخوضه دفاعًا عن مشروعه. وعندما سألته الصحفية عن خبر ملفّق نشره ‏حول مقتل عبد العزيز الحلو ودفنه في واو، لم يتراجع ولم يبدِ ندمًا، بل ردّ بعبارة تلخص ذهنية الحركة ‏بأكملها‎: “‎أنا أنظر إلى الأمة والمعركة، ومعنويًا أؤذي العدو”، هذا الاعتراف لا يترك مجالًا للتأويل؛ فالكذب ‏عند الإسلامويين لم يكن خطأ عارضًا، بل ممارسة مقصودة ومؤسَّسة، تُبرر باسم الدين وتُوظف في السياسة ‏والإعلام كجزء من “المعركة”.‏
ولم أكن بعيدًا عن هذه الظاهرة، إذ خصصت كتابي عباقرة الكذب ‏‎(2008)‎‏ ‏‎ ‎ركزت فيه على ممارسة نظام ‏الحركة (الاسلامية) الحاكم في السودان للكذب، كشفت كيف تحوّل الإعلام السوداني إلى مصنع للوهم، يصنع ‏انتصارات من ورق، ويحتفي بمشاريع لم تُنجز، ويُغطي على فشل متكرر بلغة النصر، وما كتبته كان ‏محاولة لفضح الركيزة الأساسية لطريقة حُكم الاسلامويين، وقد صار الكذب جزءًا من سياسة الدولة وفي ‏العلاقة مع المواطنين وحتى في العلاقة مع دول العالم.‏
ولم يقف الأمر عند الاقتصاد والزراعة فحين وقعت مجزرة القيادة العامة في يونيو 2019، وسقط مئات ‏الشهداء والجرحى من المعتصمين السلميين، كان النظام يواجه لحظة الحقيقة الدامية.. الدماء لم تجف بعد، ‏لكن ماكينات الدعاية بدأت تشتغل مرة تقول إن “مندسين” نفذوا الجريمة، ومرة تزعم أن المعتصمين أنفسهم ‏أشعلوا الفوضى، وفي الوقت نفسه كانت ملايين الدولارات تُصرف على حملات دعائية في الخارج لنفي ما ‏هو موثق بالفيديوهات والشهادات، هنا تجلّى الكذب في أبشع صوره: لم يعد وسيلة لحماية السلطة فقط، بل ‏صار محاولة لمحو الحقيقة من الذاكرة الجمعية للشعب‎.‎
ومن أبرز النماذج التي لا تزال حاضرة في ذاكرة السودانيين واقعة د. إبراهيم غندور، القيادي البارز في ‏المؤتمر الوطني. ففي ندوة سياسية عام 2014، وأمام أنصاره، تحدّث صراحة عن “الانتفاضة المعاكسة” ‏و”البندقية المعاكسة”، في خطاب موثق بالصوت والصورة، لكن حين واجهه السياسي عمر الدقير لاحقًا بهذا ‏الكلام، أنكر غندور إنكارًا مغلظًا، متحديًا خصمه أن “يكبس ألف زر” لإثبات ما قال، غير أن مقطع الفيديو ‏خرج للعلن، مُظهِرًا غندور نفسه وهو يردد العبارات ذاتها بجلابية وعمامة، كما لو أن الكاميرا قد نصبت ‏لتفضحه أمام التاريخ، هنا لم يكن الجدل حول مضمون كلماته، بل حول جوهر المسألة: الصدق أم الكذب‎ ‎لقد ‏أنكر حديثًا موثقًا بالصوت والصورة، فأصبح شاهدًا حيًا على ثقافة الكذب التي لازمت الإسلامويين في كل ‏مراحل تجربتهم‎.‎
أحيانًا كان الكذب يأخذ شكلًا أكثر مأساوية، حين يُمارس باسم “الشهادة”، في إحدى الساحات وقف أحد ‏‏”المجاهدين” يخاطب الحشد الكبير، ومن بينهم أسرة أحد رفاقه الذين زعم أنه قُتل في المعارك. أخذ يروي ‏كيف دفنه بيديه، وكيف شاهد كرامات عند القبر، وكيف كانت لحظة الفقد مؤثرة إلى حد البكاء، الجماهير ‏كانت تردّد التكبير والتهليل، والجموع تبكي وهي تصدّق القصة، لكن الأشهر مرّت وفجأة عاد “الشهيد” حيًا ‏يُرزق، يمشي وسط ذهول من كانوا يظنونه قد رحل، تلك الفضيحة لم تكشف فقط كذب شخص واحد، بل ‏كشفت عمق الانهيار الأخلاقي، أن الموت نفسه صار مسرحًا للدعاية، وأن دموع الناس صارت وقودًا ‏لأكاذيب سياسية، وقد لخّص د. منصور خالد عليه رحمة الله في كتابه (النخبة السودانية وإدمان الفشل، ‏‏2003) هذا المشهد بدقة حين قال‎”‎أكبر خطايا الإسلامويين أنهم صنعوا شهداء من ورق ليغطوا على عجز ‏مشروعهم السياسي”.‏
في الاقتصاد كانت الأكاذيب أشبه بعمل ممنهج مشروع الجزيرة، الذي كان يُعتبر أكبر مشروع مروي في ‏أفريقيا ومفخرة السودان الزراعية، تحوّل في التسعينات إلى مقبرة للوعود، المسؤولون أعلنوا مرارًا أن ‏القطن عاد للصدارة، وأن الاكتفاء الذاتي على الأبواب، بل تحدثوا عن التصدير إلى الخارج. لكن الواقع أن ‏المشروع انهار: قنوات الري جفّت، البنية التحتية تدمرت، والفلاحون هجروه. الإعلام كان يغني “نهضة ‏الجزيرة”، بينما الناس يقفون في صفوف الخبز والوقود. ولم يكن مشروع الجزيرة وحده، بل كل قطاعات ‏الاقتصاد تقريبًا غطتها لغة الإنجازات المصنوعة على الورق، بينما الجنيه السوداني يتدهور والأسواق ‏تلتهب بالغلاء‎.‎
وقد لخّص منصور خالد هذا التناقض في كتابه الفجر الكاذب بقوله‎ ‎‏ “لقد صنع الإسلامويون واقعًا من الورق، ‏لا يلبث أن يتهاوى أمام أول اختبار من الحقيقة”، إن سرّ هذا الاستمرار في الكذب كان في ما يسمونه “فقه ‏الضرورة”. في خطاباتهم الداخلية، كان الكذب يُبرَّر باعتباره ضرورة لحماية المشروع، ووسيلة مشروعة ‏طالما أن “الغاية نبيلة” لكن الضرورة تحوّلت من استثناء إلى قاعدة، ومن رخصة مؤقتة إلى ثقافة راسخة، ‏حتى صار الكذب فضيلة سياسية تمارس علنًا بلا حياء‎.‎
السقوط
النتيجة كانت كارثية.. المواطن السوداني فقد ثقته في كل ما يخرج من فم حكومة الاسلامويين، لم يعد يصدق ‏إحصاءً رسميًا، ولا بيانًا وزاريًا، ولا خبرًا في الإعلام القومي. ومع انهيار الثقة، انهارت العلاقة بين الدولة ‏والمجتمع، وصار الكذب الذي أرادوه وسيلة للبقاء لعنةً تلتهمهم من الداخل، وفي كتابه الرصين (أزمة ‏الاسلام السياسي 1991)، أوجز ذلك د. حيدر إبراهيم علي متعه الله بالصحة والعافية بقوله ‏‎ ‎‏”الجبهة ‏الإسلامية لم تكذب فقط على الشعب، بل كذبت حتى على نفسها، فأهلكت مشروعها بيدها”.‏
لقد سقط مشروع الإسلامويين في السودان لا لأنه فشل اقتصاديًا فقط، ولا لأنه عُزل سياسيًا فقط، بل لأنه بُني ‏على أساس مزور، حين يُصبح الكذب هو الأساس، فإن أي بناء فوقه سيكون هشًا، ينهار عند أول اختبار. من ‏الأكاذيب الإعلامية عن المواسم الزراعية، إلى الكذب السياسي في مجزرة القيادة العامة، إلى الأكاذيب ‏الشخصية لقادتهم، إلى اختلاق “شهداء” من ورق، إلى تقارير اقتصادية لا وجود لها — كلها نسجت شبكة ‏من الأكاذيب جعلت من التجربة الإسلاموية في السودان مثالًا لانهيار الأخلاق قبل انهيار الدولة‎.‎
وهكذا، فإن ما يسمّى بـ”فقه الضرورة” انتهى إلى سقوط كامل للمنظومة الأخلاقية، لقد صدّقوا أكاذيبهم حتى ‏عاشوا في وهم صنعوه بأيديهم، لكن الحقيقة كانت أقوى من كل دعاياتهم، وهنا نستدعي مقولة أنس عمر وهو ‏يصرخ عاليا ” مافي زول افهم من الحركة الاسلامية، ومافي زول أقوى من الحركة الاسلامية”، وجاءت ‏هذه العبارات بسبب كذبهم على أنفسهم حتى صدقوا أنهم فعلا أفهم وأقوى، وفي أدبياتنا الاجتماعية تحضرنا ‏دائما الحكمة الشعبية “الحبل القصير للكذب ما بيوصل بعيد”، لقد انتهى المشروع الإسلاموي في السودان بما ‏بدأ به: بكذبة كبيرة لم يصمد أمامها التاريخ ومعطيات الحاضر.‏
وقفات
وضع الإسلام الكذب في مصاف الكبائر، وجعل الصدق قرين الإيمان، وهناك العديد من الأحاديث النبوية ‏الشريفة التي تلخص هذا المعنى العظيم، لكن المفارقة المؤلمة أن الحركة الإسلاموية في السودان رفعت ‏شعار “المشروع الحضاري الإسلامي”، بينما مارست الكذب بوعي كامل، وجعلته أداة سياسية يومية. لم ‏تعلن ذلك صراحة، لكنها شرعنته بما أسمته “فقه الضرورة”، وهو استثناء شرعي محدود حوّلته إلى قاعدة ‏عامة، يبرر الإعلام المزيّف، والتزوير الانتخابي، والتلاعب بالاقتصاد، وحتى خطاب الحرب والسلم. ‏
هكذا تحول الكذب من رذيلة فردية إلى أداة تنظيمية، مغلّفة بغطاء ديني، الأخطر أنهم لم يكتفوا بالكذب ‏كوسيلة شمولية كما تفعل الأنظمة المستبدة عادة، بل قدّموه كجزء من العقيدة، مرددين أن “الكذب من أجل ‏المشروع الإسلامي ليس كذبًا”، وأن إخفاء الحقيقة عن “العدو” الذي كثيرًا ما كان هو الشعب نفسه أمر ‏مشروع. بهذه الذهنية تحولت الصحف إلى أبواق تُعلن عن نجاحات زراعية لم تحدث، والقيادات تنفي جرائم ‏موثقة بالصوت والصورة، والوعود تتوالى بلا أساس، لم يعد الكذب عند الإسلامويين مجرد وسيلة ظرفية، ‏بل صار منهج فكري وسياسي قائم بذاته يهدف إلى صناعة وهم مستمر يُحكم به الناس ويُخدع به الواقع‎.‎
__________🩸___________

زر الذهاب إلى الأعلى