
بقلم: فيدل أماكي أوسو
قبل ثلاثة أعوام، ومع انطلاق القتال وسقوط القذائف على الخرطوم، بدا السؤال أمام العالم واضحًا: كيف يمكن لبلد خرج لتوه من عقود من الحكم الاستبدادي أن ينزلق بهذه السرعة إلى حرب أهلية شاملة؟ وكان التفسير الأكثر تداولًا هو أنها مواجهة مباشرة على السلطة بين جنرالين.
لكن خلف هذه القراءة السريعة قصة أكثر تعقيدًا وخطورة. فالحرب السودانية لم تظهر فجأة في أبريل 2023، بل كانت نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية واقتصادية بدأت قبل سنوات طويلة. لقد زرع نظام عمر البشير بذور هذا الانفجار عندما قرر بناء قوة مسلحة خارج الإطار التقليدي للجيش، وجعل ولاءها مرتبطًا بشخص الحاكم أكثر من ارتباطه بمؤسسات الدولة.
وكانت تلك القوة هي قوات الدعم السريع.
ميليشيا صنعتها الشكوك
لفهم جذور المأساة السودانية، يجب العودة إلى دارفور في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حين واجهت الحكومة السودانية تمردًا مسلحًا في الإقليم الغربي. كان أمام الخرطوم خيار الاعتماد على القوات المسلحة الرسمية لمواجهة التهديد، لكن البشير اختار مسارًا آخر.
فبدلًا من حصر مهمة مكافحة التمرد في الجيش، جرى الاعتماد على مجموعات مسلحة محلية وموالية للنظام، تطورت لاحقًا إلى قوة ذات تنظيم وقدرات عسكرية واسعة، وأصبحت قوات الدعم السريع أبرز تجليات هذا الخيار.
لم يكن القرار مجرد إجراء أمني مؤقت، وإنما كان جزءًا من استراتيجية سياسية. فالجيش النظامي، حتى عندما يكون خاضعًا لحاكم مستبد، يظل مؤسسة لها قياداتها وتقاليدها وذاكرتها وقدرتها على اتخاذ مواقف مستقلة. أما القوة التي ينشئها الحاكم من خارج المؤسسة العسكرية التقليدية، فإن علاقتها به تكون أكثر مباشرة، لأنها تعتمد عليه في التمويل والحماية والامتيازات.
وبذلك، تحولت مكافحة التمرد في دارفور إلى وسيلة لتعزيز سلطة شخصية على حساب بناء مؤسسة عسكرية موحدة.
ومع مرور الوقت، ارتبط اسم قوات الدعم السريع بانتهاكات خطيرة في دارفور، شملت عمليات قتل جماعي وعنفًا جنسيًا وتهجيرًا واستهدافًا لمجتمعات على أساس هويتها. كما تمكنت قيادة القوة من بناء مصالح اقتصادية واسعة، خاصة من خلال الذهب والأراضي والأنشطة التجارية.
وهنا اكتملت المعادلة: لم يعد الولاء قائمًا فقط على الحماية من الملاحقة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالثروة والنفوذ. وكلما ازدادت استقلالية القوة اقتصاديًا، أصبح من الصعب على الدولة إخضاعها أو تفكيكها.
عندما خرج السلاح من يد صاحبه
استمرت هذه السياسة في سنوات لاحقة. وعندما شارك السودان في الحرب التي قادتها السعودية في اليمن، أُرسلت قوات من الدعم السريع للقتال إلى جانب التحالف، وهو ما منح قيادة القوة فرصة لبناء علاقات مباشرة مع أطراف إقليمية، والحصول على خبرة قتالية وشبكات نفوذ ومصادر دعم خارج مؤسسات الدولة السودانية.
وهنا ظهرت المفارقة التي كثيرًا ما ترافق أنظمة الحكم الشخصي: القوة التي ينشئها الحاكم لحمايته قد تصبح، مع الوقت، أكثر استقلالًا منه.
فالبشير أراد قوة يستطيع استخدامها في مواجهة خصومه، لكنه ساعد في الوقت نفسه على بناء مؤسسة عسكرية واقتصادية قادرة على العمل خارج سيطرته المباشرة.
وفي عام 2019، عندما خرج ملايين السودانيين إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط نظام البشير، انقلبت المعادلة. فقد شاركت قوات الدعم السريع في العملية التي أنهت حكمه، ثم أصبحت جزءًا أساسيًا من ترتيبات المرحلة الانتقالية.
لكن سقوط البشير لم يؤدِ إلى إنهاء نفوذ القوة التي ساهم نظامه في بنائها. بل على العكس، أصبحت لاعبًا رئيسيًا في المشهد السياسي والعسكري، وشاركت لاحقًا في قمع الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية.
وهكذا انتقلت قوات الدعم السريع من كونها أداة لحماية النظام إلى قوة تنافس على السيطرة على الدولة نفسها.
ومع تصاعد التوتر بينها وبين القوات المسلحة السودانية، أصبح الصدام مسألة وقت. وفي أبريل 2023، انفجرت المواجهة المفتوحة في الخرطوم، قبل أن تمتد إلى مناطق واسعة من البلاد، وتتحول إلى حرب مدمرة لا تزال آثارها مستمرة.
السودان ليس استثناءً
قد تبدو الحالة السودانية استثنائية بسبب حجم الكارثة، لكن الآلية التي أنتجتها ليست غريبة عن القارة الأفريقية.
فعلى مدى عقود، لجأ عدد من الحكام إلى إنشاء وحدات خاصة أو حرس رئاسي أو قوات موازية للجيش، بهدف ضمان وجود قوة يثقون بولائها أكثر من ثقتهم بالمؤسسة العسكرية الرسمية.
فالجيش الوطني يمتلك تقاليده وهيكله القيادي ومصالحه المؤسسية، وقد يرفض في مرحلة معينة تنفيذ أوامر الحاكم. أما القوة التي تُبنى على أساس الولاء الشخصي، فغالبًا ما تكون أكثر ارتباطًا بمصالح القائد الذي أنشأها.
وهذا ما يمكن وصفه بـتخصيص السلطة: أي تحويل أدوات الدولة، وفي مقدمتها القوة المسلحة، من مؤسسات يفترض أن تخدم الدولة والمجتمع إلى أدوات مرتبطة بشخص الحاكم وشبكة مصالحه.
لكن المشكلة أن هذه القوات لا تبقى بالضرورة تحت السيطرة إلى الأبد.
فمع مرور الوقت، تستطيع بناء ثرواتها الخاصة، وتكوين شبكات اقتصادية وسياسية، وإقامة علاقات مع قوى خارجية، ثم تطوير أهداف مستقلة عن الشخص الذي منحها الحياة في البداية.
وهنا يتحول السلاح الذي صُنع لحماية النظام إلى تهديد للنظام نفسه.
الدرس الذي يجب ألا تتجاهله أفريقيا
تقدم الحرب السودانية درسًا بالغ الأهمية للحكومات الأفريقية وشركائها الدوليين: قوة الدولة لا تُقاس فقط بعدد الجنود والأسلحة، وإنما بمدى خضوع القوة المسلحة لمؤسسات الدولة والقانون.
فالدولة التي تمتلك جيشًا وطنيًا موحدًا، يخضع للرقابة المدنية والقانونية، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات من دولة تسمح بتعدد مراكز القوة المسلحة، حتى لو بدت تلك المجموعات مفيدة للحاكم على المدى القصير.
وعكس هذا المسار لن يكون مهمة دبلوماسية سهلة. إنه يحتاج إلى بناء مؤسسات قادرة على الحد من سلطة الفرد، بما في ذلك قضاء مستقل، وبرلمانات تتمتع بسلطات رقابية حقيقية، وقوات مسلحة تخضع للدولة لا لشخص الحاكم.
كما يحتاج إلى مجتمع مدني قادر على الدفاع عن مبدأ أساسي: السلطة مصدرها الشعب، وليس من يمتلك السلاح.
لقد أظهر السودان في عام 2019 أن المواطنين قادرون على تحدي سلطة تبدو راسخة. لكن تجربة السنوات التالية أظهرت أيضًا أن إسقاط الحاكم لا يكفي إذا بقيت بنية السلطة المسلحة التي صنعها قائمة.
وما لم تتعلم الدول الأخرى هذا الدرس، فقد لا يكون السودان آخر دولة أفريقية تكتشف أن القوة التي بُنيت لحماية الحاكم يمكن أن تتحول يومًا إلى القوة التي تهدد بتدمير الدولة نفسها.
—
فيدل أماكي أوسو محلل في العلاقات الدولية والأمنية، وزميل في اتحاد أبحاث النزاعات في أفريقيا. سبق له تقديم برنامج متخصص في الشؤون الدولية مع هيئة الإذاعة الغانية، ويهتم بقضايا الدبلوماسية ومستقبل أفريقيا ودورها في النظام الدولي.



