الأعمدة

السودان والإمارات.. كيف نتجاوز صدمة القطيعة ونحوّلها إلى فرصة؟

✍️ المغيرة الجميعابي
التطورات الأخيرة في العلاقات بين السودان ودولة الإمارات تفتح بابًا واسعًا للأسئلة حول مستقبل الاقتصاد السوداني، خاصة وأن الإمارات ليست مجرد شريك تجاري عابر، بل كانت لسنوات البوابة الأكبر لصادرات الذهب السوداني، وأحد أهم مصادر النقد الأجنبي الذي تعتمد عليه الدولة في تغطية احتياجاتها الحيوية.
لكن، وفي خضم القلق المشروع من الآثار السالبة، هناك مساحة للبحث عن التحوّل من الأزمة إلى الفرصة، إذا ما أحسنّا التخطيط، واستثمرنا البدائل، وواجهنا التحديات بعقل اقتصادي منفتح.
أولاً: لماذا الإمارات بهذا الحجم من الأهمية؟
الأرقام وحدها كافية للإجابة: في 2024، بلغت صادرات السودان للإمارات نحو 1.7 مليار دولار من أصل 3.14 مليار دولار لإجمالي صادرات البلاد، أي ما يقارب 50% من الميزان التجاري، ومعظمها ذهب.
الإمارات تمتلك بنية تحتية لوجستية هائلة، سيولة نقدية فورية، وإجراءات استيراد مرنة لا توفرها أسواق الذهب الكبرى الأخرى مثل سويسرا أو الاتحاد الأوروبي، ما جعلها المنفذ الأهم للذهب السوداني.
ثانياً: ما الذي قد نخسره؟
قطع العلاقات قد يعني:
تراجع تدفقات النقد الأجنبي بفعل صعوبة تصدير الذهب رسميًا.
زيادة التهريب ونمو الاقتصاد الموازي.
ضغوط على سعر الصرف وارتفاع التضخم.
توقف سلاسل الاستيراد لبعض السلع الإستراتيجية.
فقدان وظائف في مناطق التعدين وتداعيات اجتماعية مباشرة.
ثالثاً: كيف نحوّل الخسارة إلى مكسب؟
بدلاً من الوقوف عند حدود الصدمة، يمكن للسودان أن يتحرك سريعًا عبر مسارات عملية:
تنويع أسواق الذهب فورًا
فتح قنوات تصدير مباشرة إلى أسواق بديلة مثل السعودية، تركيا، الهند، الصين،البحرين،سلطنة عمان مع اعتماد مزادات شفافة ورقابة تقلل التهريب وتضمن أسعارًا عادلة.
تعزيز دور بنك السودان المركزي في الشراء المباشر من المنتجين، ثم البيع الخارجي.
اتفاقيات تبادل تجاري مرن
التفاوض مع دول صديقة على صفقات مقايضة (ذهب مقابل قمح، وقود، أدوية) لتقليل الحاجة للنقد الأجنبي.
إنشاء خطوط ائتمان مع بنوك خليجية وآسيوية لتأمين الواردات الضرورية.
ضبط المعابر وتقوية الرقابة
نشر تقنيات تتبع الإنتاج من المنجم إلى التصدير (Digital Traceability) بالتعاون مع منظمات دولية.
تشديد الرقابة على الموانئ والمعابر البرية لكسر شبكات التهريب.
دعم قطاع التعدين والعاملين فيه
وضع برامج عاجلة لإعادة تدريب وتوظيف العمال المتأثرين بالتحولات في السوق.
الاستثمار في مصانع محلية لتكرير الذهب، ما يرفع قيمته المضافة قبل التصدير.
حشد الدعم الدولي
طرق أبواب البنك الإفريقي للتنمية،الشركة العربية للانماء الزراعي وصناديق الطوارئ، والشركاء الإقليميين للحصول على تمويل مرحلي يغطي فجوة النقد الأجنبي.
الخلاصة
الأزمة مع الإمارات – مهما كانت تداعياتها – ليست نهاية المطاف، بل قد تكون نقطة انطلاق نحو استقلالية أكبر في تجارة الذهب، وتنويع الشركاء، وتحصين الاقتصاد السوداني من الصدمات السياسية.
الرهان الحقيقي ليس في تفادي الخسارة فحسب، بل في تحويل هذا التحول الجيوسياسي إلى رافعة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة، حيث لا ترتبط حياة السودانيين وموازنتهم العامة ببوابة واحدة، مهما كانت رحبة.

زر الذهاب إلى الأعلى