الأعمدة

صوت السامبا لا يموت.. من “برازززيلو” دو فالي إلى صرخة مونديال2026

#روما،✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
في ليلة احتضن فيها ملعب “أت آند تي” في مدينة أرلينغتون الأميركية مواجهة الدور الثاني من #كأس #العالم 2026 بين #البرازيل#اليابان، كان المشهد الكروي يموج بالندية والسرعة، والأجواء مشحونة بتوقعات جماهير السامبا التي حجت من كل حدب وصوب. لكن بعيدا عن صخب المدرجات، وفي غرفة تعليق على إحدى القنوات البرازيلية، كان الصوت مختلفا تماما عن ذلك الصراخ المتواصل الذي اعتدنا سماعه من معلقينا العرب، ذلك الصراخ الذي يتحول أحيانا إلى ضجيج يطغى على جمال اللعبة.
هنا، كان المعلق البرازيلي يقدم المباراة بأسلوب المعهود وعاطفته المقولة وحماسه الوطني الاخاذ، فاستحضرت في الحال ذكرى الصوت الأسطوري الذي لم يعد بيننا، صوت لوتشيانو دو فالي، ذلك الرجل الذي جعل من التعليق الرياضي مدرسة في المشاعر الصادقة والسرد الباذخ، وكأن الزمن عاد بي إلى مونديال #إسبانيا1982، حيث كان دو فالي يكتب تاريخا موازيا لتاريخ الكرة البرازيلية بصوته الذي لا يشبهه صوت.
والمعلق البرازيلي الذي علق اليوم على المباراة امتاز بالحماس وتلك سمات المدرسة اللاتينية في التعليق الكروي. ففي ثقافة أمريكا اللاتينية، التعليق الرياضي ليس مجرد وصف بارد للأحداث، بل هو امتداد لفرحة الشارع وطقس جماهيري يعكس طاقة المدرجات الحارة. هذا الصراخ الممتد “جوللللللل!” الذي يعانق الكرة في الشباك ليس مجرد كلمة، بل هو قوس صوتي يرسم مسار الكرة وطيرانها، ويمتد ليتناغم مع فرحة اللاعبين. إنه إرث من أيام الإذاعة، حيث كان على المعلق أن يرسم الصورة للمستمعين، فكان لابد من هذا التدفق العاطفي الغزير الذي يصل للمستمع في بيته وكأنه في الملعب. وهذا الأسلوب هو امتداد مباشر لأساطير مثل لوتشيانو دو فالي، الذي حوّل “برازززيلووو!” إلى ترنيمة وطنية، وصولاً إلى معلقين معاصرين آخرين.
السامبا الذهبية تعزف على إيقاع الصوت
في ذلك المونديال الإسباني، حمل المنتخب البرازيلي أحلام أمة باكملها، فريق لقب بـ”السامبا الذهبية” جسّد فلسفة كرة القدم الهجومية التي تذوب فيها التكتيكات في بوتقة الإبداع الخالص. لكن ما جعل تلك اللحظات خالدة في قلوب البرازيليين لم يقتصر على أداء اللاعبين الاستثنائي، بل تجاوزه إلى صوت لوتشيانو دو فالي الذي صاغ سرداً ملحمياً للمباريات، وكأنه يؤلف أغنية وطنية بصوته الندي وعاطفته التي تفيض كالنهر الجارف.
“انظروا إلى المراوغة… هنا يأتي زيكو كالريح العاصفة… يسلم الكرة لسقراط… هدف! هدف! برازززيلووو!”
وبهذه العبارات الشجية، كان دو فالي يختزل فرحة شعب بكامله، محوّلاً كل هدف إلى احتفال جماهيري حتى عبر الشاشات الصغيرة التي كانت تنقل السحر إلى ملايين البيوت البرازيلية. لقد امتلك ذلك المعلق قدرة فريدة على نقل المشاعر بصدق مذهل، فلم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل صار جزءاً من الحدث نفسه وشريكاً في صناعة الذاكرة الكروية لأمة بأسرها.
عندما يصبح التعليق ترنيمة وطنية
ولم تكن عبارة “برازززيلو” الشهيرة هي الوحيدة التي طبعت اسم دو فالي في الذاكرة الجماعية، بل امتد إبداعه إلى جمل استثنائية تحمل فلسفة البرازيل في كرة القدم. ففي لحظات التوتر العصيبة، كان يهمس بعبارته الأيقونية: “الآن حان وقت الشرب للنمر!”، كناية عن لحظة الحسم التي تظهر قوة الفريق وقدرته على حسم المباريات في أوقاتها المصيرية.
ولكن المأساة الكبرى جاءت في المباراة المصيرية ضد إيطاليا في دور الثمانية، حين تحطمت أحلام البرازيل الذهبية بخسارة قاسية بنتيجة 3-2، رغم التفوق الكروي الواضح والأداء الفني الرائع. وهنا تحوّل صوت دو فالي إلى مرثية مؤثرة هزت مشاعر الملايين: “لا تبكوا أيها البرازيليون، فالفن لا يُهزم أبداً… هؤلاء اللاعبون أعطونا كرة قدم خالدة يستحيل نسيانها”. لقد جسّد الألم بكرامة نادرة، وحوّل الهزيمة المريرة إلى درس خالد في حب اللعبة وجمالياتها، مؤكداً أن القيمة الحقيقية للكرة لا تقاس بالنتائج فقط.
إرث الصوت الذي لا يموت في وجدان الكرة
رحل لوتشيانو دو فالي عن عالمنا في عام 2014، لكن صوته العذب ما زال يتردد في كل مونديال يقام، وكأنه شاهد حي على زمن كانت فيه الكرة البرازيلية “ديانة” يصلّى لها بالمراوغات الساحرة والأهداف البديعة. واليوم، مع احتدام المنافسة في الدور الثاني من مونديال 2026 الذي تحتضن ملاعبه ثلاث دول كبرى، يظل عشاق السامبا يتذكرون ذلك الصوت الأسطوري، ويتساءلون عمن سيحمل راية التعليق العاطفي في هذه المرحلة الحاسمة من العرس العالمي. فعندما يعيد المشجعون مشاهدة أهداف مونديال 1982 الخالدة، فإنهم لا يسمعون صفير الحكم أو هتاف الجمهور فحسب، بل يسمعون دو فالي يذكّرهم بأن الكرة البرازيلية ليست مجرد رياضة عابرة، بل هي حكاية حب متجددة بين شعب وقطعة قماش مستديرة تسكن القلوب.
لوتشيانو دو فالي.. الشاعر الذي حفظ للبرازيل إرثها الكروي
وُلد لوتشيانو دو فالي كويروز في الرابع من يوليو عام 1947 بمدينة كامبيناس في ولاية ساو باولو، وبدأ مسيرته الإعلامية في الإذاعة مع “راديو إديوكادورا” المحلية، ثم انتقل إلى “راديو غازيتا” حيث شارك في تغطية كأس العالم 1970 بالمكسيك التي شهدت تتويج البرازيل باللقب الثالث. انضم لاحقاً إلى قناة “غلوبو” التلفزيونية العملاقة في السبعينيات، ليصبح المعلق الرئيسي ويغطي أحداثاً كبرى مثل الألعاب الأولمبية في ميونخ 1972 ومونتريال 1976 وموسكو 1980، إضافة إلى مونديالي 1974 و1982.
وفي عام 1983، انتقل دو فالي إلى قناة “بانديرانتيس” بعد فترة قصيرة مع “راديو ريكورد”، حيث أسس مشروعات ريادية لتعزيز رياضات غير كرة القدم مثل الكرة الطائرة من خلال “التحدي الكبير للكرة الطائرة” عام 1983، وكذلك كرة السلة والبلياردو. أشرف على برنامج “عرض الرياضة” الذي قدم أكثر من عشر ساعات يومياً من المحتوى الرياضي المتنوع، مما جعل القناة تُعرف بـ”قناة الرياضة” بامتياز. وقد ساهم بشكل كبير في شهرة رياضيين برازيليين كبار مثل هورتينسيا في كرة السلة وماغيلا في الملاكمة.
عانى دو فالي من جلطة دماغية في عام 2012 أثرت على نطقه وقدرته على مواصلة التعليق، لكن روحه الرياضية ظلت نابضة حتى النهاية. توفي في التاسع عشر من أبريل عام 2014 في أوبرلاندياس بولاية ميناس جرايس أثناء تغطيته لمباراة في بطولة كامبيوناتو برازيليرو، تاركاً إرثاً كبيراً في الصحافة الرياضية وتنويع الرياضات المعروضة في الإعلام البرازيلي.
في الختام.. ساحر الصوت الذي صار جزءاً من التراث الكروي العالمي
ولا شك أن لوتشيانو دو فالي لم يكن مجرد معلق عادي يصف الأحداث، بل كان الشاعر الأوحد الذي حفظ للبرازيل إرثها الكروي وصاغه في قوالب صوتية خالدة. بصوته الدافئ وعاطفته الجياشة، صارت الأهداف أناشيد وطنية، والخسارات ملاحم بطولية تروى للأجيال. هو الرجل الذي جعل من كأس العالم 1982، رغم مرارة نتائجه وقسوة خروجه، ذكرى لا تُنسى في وجدان كل عاشق للكرة المستديرة، واليوم مع اشتعال المنافسة في الدور الثاني من مونديال 2026 على ملاعب أمريكا والمكسيك وكندا، يظل إرث دو فالي حياً يلهب المشاعر، لأن الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الألقاب والكؤوس، بل بالقصص الخالدة التي تروى عنه، وبالأصوات العذبة التي تحفظه من الضياع في زحمة النسيان.

زر الذهاب إلى الأعلى