الأعمدة

عثمان فضل الله في العام 2020، كان القرار… أن أضع حدًا لمساري في صحيفة البيان الإماراتية.

من الخارج، بدا كل شيء مثاليًا: وظيفة مرموقة، راتب مُغرٍ، بيئة مستقرة…
لكن الداخل كان يتمزق بصمت.
حين قررت العودة، ظن البعض أنني فقدت صوابي.
وصفني البعض بالمُتهور، وآخرون بالغوا وقالوا: هذا جنون.
لكنني كنت أعرف تمامًا ما أفعل، كنت أُصغي لنداءٍ لا يسمعه سواي.
عدت إلى الخرطوم، لا بصفقة ولا بضمان، بل بحقيبة صغيرة وقلب ممتلئ.
تعثرت، وقعت، نهضت، واجهت أيامًا ضيقة، وأخرى أوسع قليلًا…
لكنني لم أندم، ولا للحظة واحدة.
في كل تجربة عشتها، في كل ليلة بدون كهرباء، في كل صباح بلا يقين، كنت أشعر بالحياة.
كنت أتنفس من رئة الوطن، وأعرف أنني هنا رغم كل شيء، لم أخن حنيني.
وكنت كلما مررت بمطار الخرطوم، أردّد في سري:
“الحمدلله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا”،
كنت أعنيها حقًا، ولم أكن أغادر… كان الوطن لا يزال ممكنا.
لكن الحرب جاءت…
جرفت ما تبقى من المدن واليقين، هدمت البيوت على أحلام أصحابها، وشردتنا بلا خارطة ولا وجهة.
كُتب علينا من جديد أن نحمل أحزاننا ونغادر،
أن نُطارد المطارات و الطائرات لا الأحلام،
أن نحمل أوراقنا لا مشاريعنا،
أن نمشي في طرق لا نعرف نهايتها، وننزل في بلدان لا نُحسن لغتها ولا تفهم وجعنا.
صرنا نُحسن الانكسار بلُغة أجنبية، ونخفي دمعتنا بين مطارين.
في بعض الوجوه نرى التعاطف، وفي بعضها الآخر ضيقًا لا يُخفى.
نحاول أن نتماسك، أن نبدو عابرين لا هاربين، أن نتمتم داخلنا:
“هذا العبور مؤقت… لا بد أن نعود”.
الغربة بقرارك لا تقتل فقط، بل تُمزقك على جرعات،فمابالك بغربة لم تختارها ولا لها خططت.
والوطن ليس مجرد خريطة… بل إحساس أنك لست ضيفًا في الحياة.
وها نحن اليوم ضيوف حتى على ذاكرتنا، حتى على حلم البقاء.
اللهم اجعل لنا من كل مطار عودة، ومن كل غربة سبيل إلى وطن لا يخونه ابنائه … ويرمونه وأهله إلى جحيم بلانهاية
واغفر لنا هذا الحنين الذي لا يُشفى.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى