بقلم : الدكتور كمال محمد الأمين عبد السلام
هناك لحظات في الحياة تعلمك أكثر من سنوات طويلة من الدراسة والتجربة. ولحظتي هذه كانت مع الأستاذ الراحل غازي سليمان، رحمه الله، في يوم من أيام الخرطوم الحارة، خلف قاعة الصداقة.
كنا في سيارتي ، أنا وهو، في طريقنا من المجلس الوطني إلى المكتب. الشمس تلسع الأسفلت، والهواء يحمل غبار السياسة والصراعات. كان الأستاذ غازي يحمل في قلبه أحلام الوطن، وفي عقله خبرة السياسي المحنك الذي يعرف أن الشيطان يكمن في التفاصيل.
التفت يميناً، كما يفعل الطائر الحذر الذي يستشعر الخطر. رأى لافتة كبيرة تتباهى بحروفها: “صندوق تأمين وتمويل الصادرات”. توقف كما يتوقف الصياد عندما يرى فريسته. قال لي: “لف ارجع نشوف دا شنو وعملوه متي؟”
كان السؤال بسيطاً، لكن الإجابة كانت معقدة كتعقيد السياسة في السودان. خرج من المبني رجل مهندم، كما يأتي المبشرون بالأخبار السيئة، وقال بفخر: “كونه الرئيس البشير بقرار قبل أربعة أيام.”
أربعة أيام! أربعة أيام فقط بعد أن آلت وزارة التجارة الخارجية للحركة الشعبية بعد صراع شديد. أربعة أيام كانت كافية لإفراغ النصر من مضمونه، كما تفرغ الكيس من الذهب ليبقى مجرد قماش.
في المكتب، كان الأستاذ غازي يجلس كالقاضي الذي يحضر للحكم. قال لي: “اعمل لينا دراسة عن هذا الصندوق من كل النواحي.” كان يعرف، بحدسه السياسي، أن وراء الأكمة ما وراءها.
غصت في القوانين كما يغوص الغواص في أعماق البحر بحثاً عن اللؤلؤ. راجعت سلطات الرئيس في قانون الهيئات والمؤسسات، وقوانين أخرى. والحقيقة بدأت تتكشف كما يتكشف الفجر بعد ليل طويل.
كان الصندوق يحمل سلطات التمويل مع أنه ليس بنكاً، وسلطات التأمين مع أنه ليس شركة تأمين. كان وحشاً قانونياً هجيناً، مخلوقاً بعناية فائقة ليلتهم صلاحيات الوزارة الوليدة.
خلصت في دراستي إلى حقيقة مرة كالعلقم: الكيزان منحوا وزارة التجارة الخارجية للحركة الشعبية باليمين وأخذوها بالشمال. كما يفعل الساحر الماكر الذي يريك الحمامة في يده اليمنى بينما يخفيها في يده اليسرى.
هذه الحادثة علمتني درساً لا يُنسى في المكر السياسي. وأريد اليوم أن أقولها بصوت عالٍ للعديد من الأشخاص الذين يرغبون في التفاوض مع الجناح المتشدد الذي يقوده علي كرتي، والذي يدير الحرب الحالية في السودان.
أريد أن أقولها لما تسمى بمجموعات الموز التي تعتقد أن الكيزان سيمنحونهم وزارات حقيقية. إنه سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. وأن أي تفاوض مع المؤتمر الوطني لا جدوى ولا طائل من ورائه.
التاريخ يعيد نفسه، والحيل القديمة تُستخدم بوجوه جديدة. من منح وزارة التجارة الخارجية باليمين وأخذها بالشمال قادر على أن يفعل الشيء نفسه مع أي اتفاق جديد.
الأستاذ غازي سليمان علمني في ذلك اليوم أن الحذر في السياسة ليس جبناً، بل حكمة. وأن الشك في النوايا ليس سوء ظن، بل حسن تقدير للواقع.
رحم الله الأستاذ غازي سليمان، الذي كان يرى بعين الحكمة ما لا يراه الآخرون. وأبقى الله ذكراه درساً لكل من يريد أن يتعلم من التاريخ بدلاً من أن يكرر أخطاءه.
إن الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بإعادة عيشه. وإن الذين يثقون في وعود الكيزان كمن يثق في وعود السراب بالماء في الصحراء.



