الأعمدة

” فضيحة “كرت الحمى الصفراء” كيف تنهب الحكومة السودانية أموال المسافرين بوهم غير موجود؟ “

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش

في شهادة شجاعة نادرة كشفت عن إحدى أكبر عمليات النصب الحكومي المنظم، نشر مواطن سوداني مقطع فيديو عبر منصة فيسبوك يروي فيه كيف أجبرته سلطات مطار بورتسودان على دفع 25 ألف جنيه سوداني نظير استخراج “كرت الحمى الصفراء” كشرط للسفر إلى المملكة العربية السعودية. لكن المفاجأة الصادمة جاءت عند وصوله إلى الأراضي السعودية، حيث لم تطالبه السلطات السعودية بإبراز هذا الكرت مطلقاً، بل أكدت له الجهات المختصة – من وزارة الصحة إلى سلطة الطيران المدني – أن هذا الكرت ليس من المتطلبات المطلوبة وأنه غير موجود في أنظمتها الإلكترونية.
” حقيقة المتطلبات الدولية للحمى الصفراء”
تؤكد المصادر الرسمية الدولية أن شهادة التطعيم ضد الحمى الصفراء مطلوبة فقط للمسافرين القادمين من البلدان التي تحمل مخاطر انتشار الحمى الصفراء. والأهم من ذلك أن السودان مصنف جزئياً فقط كمنطقة يُوصى فيها بالتطعيم، وذلك في الأجزاء الجنوبية منه حصراً. هذا يعني أن المسافرين من شمال السودان – بما في ذلك مطار بورتسودان – لا يحتاجون أصلاً إلى شهادة التطعيم ضد الحمى الصفراء للسفر إلى السعودية أو معظم دول العالم. والأمر الأكثر فضيحة أن هذا “الكرت” يُستخرج داخل المطار دون إجراء أي فحوصات طبية للتأكد من سلامة المسافر، مما يكشف أن العملية برمتها ليست سوى مسرحية هزلية هدفها الوحيد ابتزاز المواطنين.
” الأرقام الصادمة: ثروة طائلة من النصب المنظم”
عندما نحسب حجم هذا النصب المالي، تظهر أرقام مذهلة تكشف عن حجم السرقة المنظمة. بمبلغ 25 ألف جنيه سوداني لكل مسافر، ومتوسط 180 مقعد للطائرة الواحدة، تحصل السلطات على 4.5 مليون جنيه سوداني من كل رحلة جوية. ومع 551 رحلة شهرياً من مطار بورتسودان (أي حوالي 18 رحلة يومياً)، تبلغ الإيرادات اليومية التقديرية 81 مليون جنيه سوداني، والسنوية حوالي 29.5 مليار جنيه سوداني. بسعر الصرف التقريبي، هذا يعادل 135 ألف دولار يومياً، أو 49 مليون دولار سنوياً – أرقام فلكية تُسرق من جيوب المواطنين السودانيين دون وجه حق.
” منظومة فساد في زمن المحنة”
هذه الممارسة تكشف عن منظومة فساد متجذرة تستغل محنة الشعب السوداني في أحلك الظروف. في وقت تدفع فيه الحرب بالمواطنين للبحث عن الأمان خارج بلادهم، تستغل الحكومة محنتهم لابتزازهم مالياً. هؤلاء المسافرون، الذين دفعتهم الظروف القاسية للتفكير في مغادرة وطنهم، يواجهون عملية نصب من الدولة نفسها التي من المفترض أن تحميهم. والأخطر من ذلك غياب أي شفافية حول مصير هذه الأموال الطائلة، فلا توجد ميزانية واضحة أو تقارير حول استخدامها، ولا أي آلية للمساءلة أو الرقابة.
“تأثيرات مدمرة على صورة السودان”
هذه الممارسات لا تضر فقط بجيوب المواطنين، بل تدمر سمعة السودان دولياً وتخلق حواجز إضافية أمام الاستثمار الأجنبي والسياحة. كما تؤثر سلباً على العلاقات التجارية الدولية وتعكس استخفافاً بالقوانين واللوائح الدولية. في الوقت الذي يتطور فيه العالم ويبسط إجراءات السفر، تستمر السلطات السودانية في ممارسة هذا النوع من الابتزاز المؤسسي، مما يضع السودان في عزلة الفساد بينما تحتاج البلاد لكل جنيه في إعادة الإعمار ومواجهة التحديات.
“الحلول المطلوبة فوراً”
تتطلب هذه الفضيحة إجراءات فورية تبدأ بالإلغاء الفوري لمتطلب كرت الحمى الصفراء للمسافرين من المناطق غير المتأثرة، وفتح تحقيق شامل في أوجه استخدام الأموال المحصلة، وإعادة الأموال المستحقة للمواطنين الذين دفعوا هذه الرسوم دون مبرر، ومحاسبة المسؤولين عن هذه السياسة. كما يجب تطوير نظام شفاف لإدارة رسوم السفر وإنشاء آلية رقابة مستقلة على رسوم المطارات وتدريب موظفي المطارات على القوانين الدولية.
” درس في قوة الكشف والمقاومة”
قصة هذا المواطن الشجاع تؤكد قوة الإعلام الاجتماعي في كشف الفساد، فقد استطاع فيديو واحد أن يفضح عملية نصب منظمة استمرت لسنوات. كما تسلط الضوء على أهمية قيام المواطنين بالتحقق من صحة المتطلبات الحكومية من مصادر مستقلة، وتشجع المواطنين الآخرين على التحدث والكشف عن الممارسات الفاسدة التي يواجهونها.
” نداء للعدالة والكرامة”
فضيحة “كرت الحمى الصفراء” ليست مجرد قضية فساد مالي، بل رمز لمنظومة استبداد وابتزاز ممنهجة تمارسها السلطات ضد شعبها. الحكومة السودانية مطالبة بإجراء فوري لوقف هذا النزيف المالي وإعادة الكرامة للمواطن السوداني، والشعب السوداني مدعو لمتابعة هذه القضية والضغط من أجل المحاسبة والإصلاح. إن شجاعة مواطن واحد كشفت فساد منظومة كاملة، والآن حان دور الجميع للمطالبة بالعدالة ووقف هذا العبث بأموال الشعب وكرامته. في النهاية، هذه ليست مجرد قضية مالية، بل قضية كرامة وطنية تستحق أن يقف معها كل سوداني شريف.

زر الذهاب إلى الأعلى