
بقلم الجيوفيزيقي محمد عربي نصار
في الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات السادس من أكتوبر المجيدة، أتقدم بخالص التهنئة والتقدير إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وإلى الفريق أشرف سالم زاهر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، وإلى رجال قواتنا المسلحة الباسلة، وإلى شعب مصر العظيم؛ احتفالًا بيوم لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل لحظة تاريخية استعادت فيها مصر أرضها وثقتها وقدرتها على صناعة المستقبل.
إن السادس من أكتوبر 1973 لم يبدأ في الثانية ظهرًا مع انطلاق الطائرات وهدير المدافع وعبور الجنود قناة السويس؛ بل بدأت حكايته الحقيقية من قلب مرارة يونيو 1967. فحين كانت سيناء تحت الاحتلال، وكانت آثار الهزيمة ثقيلة على النفوس، اتخذت مصر قرارها الأصعب والأهم: ألا تتحول الهزيمة العسكرية إلى هزيمة للإرادة.
ومن هنا بدأت سنوات من العمل الشاق وإعادة بناء القوات المسلحة، مرورًا بحرب الاستنزاف التي تحولت إلى مدرسة حقيقية للقتال، وصولًا إلى إعداد جيل من القادة والضباط والجنود يعرف أن المعركة المقبلة لن تُحسم بالشجاعة وحدها، وإنما بالمعلومة والعلم والتدريب والانضباط والتخطيط الدقيق.
وخلف الجبهة، كانت هناك حرب أخرى لا يسمع الناس فيها صوت المدافع؛ حرب المعلومات والاستطلاع وتأمين الاتصالات والخداع الاستراتيجي. وهنا أعتز بأن كان لجدي اللواء أركان حرب إبراهيم فؤاد نصار موقع بارز في هذه المسيرة؛ فقد بدأ حياته العسكرية بسلاح الإشارة، وشارك في حرب فلسطين عام 1948، وتدرج في وظائف القيادة والتدريس العسكري، ثم تولى رئاسة إشارة القيادة الشرقية خلال حرب يونيو 1967، قبل أن يكلف بتأسيس وقيادة إدارة أمن السيطرة التي عملت على حماية سرية الاتصالات والمعلومات العسكرية في مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة.
وفي عام 1972 تولى جدي منصب مدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، فكان في قلب منظومة الإعداد المعلوماتي لحرب أكتوبر، وأحد قادة غرفة العمليات التي أدارت الحرب في السادس من أكتوبر 1973. وكان ذلك تتويجًا لمسيرة عسكرية جمعت بين الإشارة وأمن المعلومات والاستطلاع والعمل الاستخباراتي، قبل أن يواصل خدمته للدولة لاحقًا محافظًا للبحر الأحمر وسيناء ومطروح، ثم رئيسًا للمخابرات العامة المصرية. وأذكر هذه السيرة لا باعتبارها تاريخًا عائليًا فحسب، وإنما باعتبارها نموذجًا لجيل كامل عمل في صمت حتى جاءت ساعة العبور.
وجاءت الساعة.
السبت السادس من أكتوبر 1973، العاشر من رمضان 1393هـ.
نحو الثانية ظهرًا، انطلقت الضربة الجوية، ودوّت المدفعية المصرية، وبدأت موجات الجنود تعبر قناة السويس. وفي ساعات قليلة، تحولت القناة التي بدت لسنوات حاجزًا يفصل المصريين عن أرضهم إلى طريق يعبرون منه نحو سيناء.
وكان الساتر الترابي أحد أصعب التحديات الهندسية أمام القوات، فجاء الحل المصري باستخدام مضخات المياه ذات الضغط العالي لفتح الممرات، ثم اندفع رجال المهندسين لإقامة الكباري وتجهيز طرق عبور المعدات والمدرعات.
وهنا تتجلى واحدة من أعمق رسائل أكتوبر: حين يتحد العلم مع الإرادة، قد يتحول ما يراه الآخرون مستحيلًا إلى مسألة تبحث فقط عن الحل الصحيح.
لكن وراء كل خطة وكل قطعة سلاح كان هناك الإنسان المصري.
طيار ينطلق وهو يدرك حجم المخاطر، وجندي يعبر القناة حاملًا سلاحه، ومهندس يعمل تحت النيران، ورجل دفاع جوي يراقب السماء، وطبيب يستقبل المصابين، وأم تنتظر ابنها ولا تعرف هل سيعود أم سيصبح اسمه واحدًا من أسماء الشهداء.
لهذا لم يكن أكتوبر انتصار سلاح بعينه، وإنما انتصار منظومة وطن كاملة: جيش خطط وقاتل، وشعب صبر وساند، ودولة سخرت إمكاناتها من أجل هدف واحد.
ولم تكن الحرب طريقًا خاليًا من الصعوبات؛ فقد شهدت أيامها التالية معارك ضارية وتطورات عسكرية وسياسية معقدة، ومنها ثغرة الدفرسوار. لكن الإنجاز الاستراتيجي كان قد تحقق: كُسر الجمود الذي فرضته نتائج 1967، وسقطت فكرة استحالة تغيير الواقع بالقوة والإرادة والتخطيط.
ثم انتقلت المعركة من ميادين القتال إلى ساحات السياسة والتفاوض. فالهدف لم يكن الحرب من أجل الحرب، وإنما استعادة الأرض. واستمرت رحلة استرداد سيناء عبر مسار طويل، حتى بقيت طابا لتخوض مصر من أجلها معركة أخرى، هذه المرة بالقانون والدبلوماسية، وترفع عليها العلم المصري عام 1989.
واليوم، بعد ثلاثة وخمسين عامًا، لا ينبغي أن يكون احتفالنا بأكتوبر مجرد استدعاء لمشاهد الماضي.
فلكل جيل «قناة» عليه أن يعبرها، و«ساتر» عليه أن يهدمه، وتحديات يعتقد البعض أنها أكبر من قدرته.
جيل أكتوبر خاض معركة تحرير الأرض، أما معارك الحاضر والمستقبل فهي معارك العلم والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتعليم والإنتاج والتنمية.
وإذا أردنا الوفاء الحقيقي لأبطال أكتوبر، فعلينا ألا نكتفي بالحديث عما صنعوه، بل أن نتعلم كيف صنعوه: بالمعلومة قبل القرار، وبالتخطيط قبل التنفيذ، وبالعلم قبل المغامرة، وبالعمل الجماعي قبل البطولة الفردية.
رحم الله شهداء مصر، وتحية إجلال لكل من شارك في ملحمة أكتوبر، ولكل أسرة مصرية قدمت ابنًا أو أبًا أو جدًّا دفاعًا عن الوطن.
وسيظل السادس من أكتوبر شاهدًا على أن مصر قد تواجه المحن، لكنها حين تجمع بين العلم والإرادة والتخطيط والتضحية تستطيع أن تعبر أصعب الحواجز، وأن تكتب بيد أبنائها فصلًا جديدًا من التاريخ.
حفظ الله مصر، وحفظ شعبها وقواتها المسلحة، وكل عام ومصر في أمن وعزة وسلام.
الجيوفيزيقي محمد عربي نصار
مدير عام مساعد الجيولوجيا الحقلية – الشركة العامة للبترول
مساعد أمين مدينة رأس غارب – البحر الأحمر
وأمين العلاقات الخارجية بحزب العدل
أكتوبر.. حين عبرت مصر من الانكسار إلى صناعة النصر



