الأعمدة

“شجرة الصبر” قصة مُهداة إلى أمي الحبيبة

بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
في قرية هادئة، وسط أرض خصبة مباركة، نمت شجرة عظيمة. لم تكن شجرة عادية، بل كانت شجرة مميزة منذ اللحظة الأولى التي أنبتت فيها أوراقها الخضراء الندية.
جذور عميقة في الأرض
في قرية صغيرة جميلة تُسمى “ود عشانة”، قريباً من مدينة تندلتي، نبتت هذه الشجرة المباركة. كانت أرض هذه القرية طيبة خصبة، مشبعة بالبساطة والأصالة والتقوى. هناك، وسط أجواء الريف الهادئة وعبق التراب الأصيل، غرست جذورها الأولى وتعلمت معاني الإيمان والصبر.
نمت في بيئة نقية، حيث كان الناس يعرفون بعضهم البعض، ويتشاركون الأفراح والأحزان. تعلمت من أرض “ود عشانة” معاني الكرم والضيافة، ومن أهل القرية تعلمت الصدق والوفاء.
عندما كبرت وحان وقت الزواج، قدر الله أن تنتقل إلى أرض جديدة – إلى مدينة أمدرمان العريقة، لتبدأ فصلاً جديداً من حياتها مع شجرة أخرى كانت ستصبح شريك حياتها وأبو أولادها.
لم تكن هذه النقلة سهلة، فترك الأرض التي نبتت فيها أمر صعب على أي شجرة. لكنها واجهت هذا التغيير بنفس الحكمة والإيمان اللذين طبعا شخصيتها. حملت معها إلى أمدرمان عبق قريتها وأصالة ترابها وطيبة أهلها.
في أمدرمان، غرست جذورها العميقة المغروسة في الإيمان والتقوى مرة أخرى، واستطاعت أن تتأقلم وتزدهر. أصبحت جسراً جميلاً يربط بين بساطة الريف وحيوية المدينة، تحمل في أوراقها ذكريات “ود عشانة” وتنشر في أمدرمان قيم قريتها الأصيلة.
منذ صغرها، تعلمت هذه الشجرة أن تتجه بأغصانها نحو السماء، تسبح خالقها في كل نسمة هواء، وتحمد ربها مع كل شروق شمس. كانت أوراقها تحمل كلمات “لا إله إلا الله” محفورة عليها بماء الذهب.
ظل وارف للجميع
نمت الشجرة وكبرت، وأصبحت ملجأً لكل من يحتاج إلى الراحة. تحت ظلالها الوارفة، كان المسافر يجد الراحة، والحزين يجد العزاء، والخائف يجد الأمان. لم تبخل هذه الشجرة بظلها على أحد، بل كانت تمد أغصانها أكثر وأكثر لتحتوي الجميع.
كانت ثمارها حلوة طيبة، تطعم الجائع وتروي الظمآن. وعندما كان الطعام قليلاً، كانت تؤثر الطيور والحيوانات على نفسها، وتكتفي بقطرات الندى التي تنزل عليها في الفجر.
أغصان صغيرة تنمو حولها
بمرور الوقت، نمت حول الشجرة الأم أغصان صغيرة – أولادها وثمرة حياتها. كانت تعلمهم كيف يتجهون نحو النور، كيف يستمدون القوة من الجذور العميقة، كيف يكونون مفيدين للآخرين.
أحد هذه الأغصان نما قوياً وجميلاً، كان أكبرهم وأقربهم إلى قلبها. اسمه “غصن الشرف” صلاح الدين. كان هذا الغصن مصدر فخرها وقوتها، يحميها ويساندها في وجه العواصف.
العاصفة الكبرى الأولى
في يوم من الأيام، هبت عاصفة عاتية لم تشهد الشجرة مثلها من قبل. كانت الرياح قوية جداً، والبرق يضرب من كل جانب. وفي لحظة واحدة، انكسر “غصن الشرف” وسقط على الأرض.
شعرت الشجرة الأم وكأن نصفها قد انتُزع منها. اهتزت من أعماقها، وكادت تنهار. لكن جذورها العميقة المغروسة في الإيمان لم تدعها تسقط. وقفت ثابتة، وقالت بصوت يسمعه الكون كله: “إنا لله وإنا إليه راجعون. الله أعطى والله أخذ، وله الحمد في كل حال.”
بقيت واقفة، وإن كانت حزينة. تقبلت قضاء الله وقدره، واحتسبت فراق أعز أغصانها عند الله. ومن ذلك اليوم، أصبحت أقوى وأكثر إيماناً.
رعاية الغصن المريض
كان بجانب الشجرة الأم شجرة أخرى – شريك حياتها وأبو أولادها. مع مرور السنين، أصابت هذه الشجرة آفة غريبة جعلتها تضعف تدريجياً. احتاجت إلى رعاية مستمرة وعناية خاصة.
لم تتردد الشجرة الأم لحظة واحدة. أخذت تنقل إليها من عصارة حياتها، تقاسمها الماء والغذاء، تحميها من الرياح والعواصف. سنوات طويلة وهي تفعل ذلك دون ملل أو ضجر، دون شكوى أو تذمر.
كانت تسهر عليها في الليالي الباردة، وتظللها في الأيام الحارة. وعندما كان الألم يشتد، كانت تهمس في أذنها بآيات من القرآن وبكلمات الصبر والاحتساب.
حكيمة الحي
في بستان خاص يُسمى “الثورة ” في مدينة أمدرمان، استقرت الشجرة الأم وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من هذا المكان. في هذا البستان الجميل، كانت هناك أشجار أخرى كثيرة. لكن الغريب أن الشجرة الأم لم تتخاصم مع أي شجرة قط، لم تتنافس معها على الماء أو الهواء أو ضوء الشمس. بل العكس تماماً.
أصبحت الشجرة الأم هي الوحيدة في حي “الثورة ” التي لم تكن لها مشاكل مع أحد قط. كلما نشب خلاف بين الأشجار، كانت هي التي تتدخل بحكمتها لتصلح بينهم. كانت تقول لهم: “نحن جميعاً في حديقة واحدة، خلقنا الله لنتكامل لا لنتصارع.” وبكلماتها الطيبة وقلبها الصافي، كانت تطفئ نار الخصومة وتزرع بذور المحبة.
عرفها كل أهل الحي، وأحبوها واحترموها. كانت بيتها مفتوحاً للجميع، وقلبها أكبر من أن يحمل الضغينة أو الكراهية لأي إنسان في الحي.
أشجار العائلة تحترمها
كان لهذه الشجرة أشقاء – أشجار أخرى نمت معها في نفس البستان. وبرغم أنها لم تكن الأكبر سناً، إلا أن جميع أشقائها كانوا يحترمونها ويقدرونها. كانوا يأتون إليها في كل أمر مهم، يستشيرونها في قراراتهم، يطلبون نصائحها في مشاكلهم.
وهي لم تبخل عليهم يوماً بالنصح والمشورة، لم تتكبر عليهم أو تتعالى، بل كانت دائماً في خدمتهم، تعطيهم من خلاصة تجربتها وحكمة سنينها.
الإيثار أسلوب حياة
في سنوات الجفاف، عندما كان الماء قليلاً والغذاء نادراً، كانت هذه الشجرة تؤثر الأشجار الصغيرة والضعيفة على نفسها. تعطيهم من نصيبها من الماء، تحميهم بأغصانها من حرارة الشمس.
كانت تقول: “أنا كبيرة وقوية، أستطيع أن أصبر. لكن هؤلاء الصغار يحتاجون الماء أكثر مني.” وهكذا كانت تعيش – دائماً تعطي أكثر مما تأخذ، دائماً تفكر في الآخرين قبل نفسها.
رحيل الشجرة المريضة
بعد سنوات طويلة من الرعاية والاهتمام، بعد ليالٍ لا تُحصى من السهر والخدمة، جاءت اللحظة التي قدر الله فيها أن تنتهي رحلة الشجرة المريضة مع الحياة.
شعرت الشجرة الأم أن نصف روحها قد غادر معها، أن شريك عمرها ورفيق دربها قد رحل إلى رحمة الله. لكنها، بنفس الإيمان العميق الذي واجهت به كل ابتلاءات الحياة، استقبلت هذا القضاء بصبر جميل.
وقفت وحيدة في البستان، وقالت بصوت مملوء بالإيمان: “إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها.” لم تجزع، ولم تشتك، ولم تسخط على قدر الله. بل احتسبت عند الله كل لحظة خدمة، وكل ليلة سهر، وكل يوم رعاية.
من ذلك اليوم، أصبحت أقوى وأكثر تعلقاً بالله. فهمت أن كل شيء في هذه الدنيا فانٍ إلا وجه الله الكريم.
الابتلاء الأخير
مع تقدم السنين، بدأت آفة غريبة تصيب الشجرة الأم. لم تكن آفة عادية، بل كانت تؤثر على أوراقها وأغصانها. بدأت بعض أوراقها تذبل، وبعض أغصانها تضعف.
لكن الشجرة الأم واجهت هذا الابتلاء كما واجهت كل الابتلاءات من قبل – بالصبر والإيمان. لم تشتك، لم تتذمر، لم تيأس. بل قالت: “هذا قدر الله، وما شاء الله كان.”
القوة تأتي من الجذور
برغم المرض، بقيت الشجرة واقفة شامخة. جذورها العميقة المغروسة في الإيمان والتقوى كانت تمدها بالقوة والثبات. أوراقها التي لم تذبل بعد كانت لا تزال تسبح الله وتحمده.
وكلما نظر إليها الناس، كانوا يتعجبون من قوتها وصبرها. كانوا يقولون: “انظروا إلى هذه الشجرة العظيمة، كيف تواجه المرض بكل هذا الصبر والثبات!”
غصن الحنين البعيد
كان هناك غصن صغير من أغصان هذه الشجرة قد نُقل إلى أرض بعيدة، في بستان آخر عبر البحار والقارات. هذا الغصن – الذي كان يمثلني أنا – ظل مرتبطاً بشجرته الأم بخيوط حب لا تُرى ولا تنقطع.
كلما هبت الرياح في الأرض البعيدة، كان هذا الغصن يشعر بها وكأنها تأتي من عند أمه. وكلما نزل المطر، كان يتذكر الماء العذب الذي كان يشربه من جذور شجرته الأم.
عندما سمع الغصن البعيد عن مرض شجرته الأم، شعر وكأن جزءاً منه قد ذبل. أراد أن يطير إليها، أراد أن يعود ويلتف حولها ويعطيها من قوته. لكنه كان يعلم أن جذورها أقوى من أي مرض، وأن إيمانها أعظم من أي ابتلاء.
رسالة الغصن لشجرته
كتب الغصن البعيد رسالة حملها الريح إلى شجرته الأم:
“أمي الشجرة العظيمة، يا من علمتني كيف أواجه العواصف، يا من علمتني كيف أستمد القوة من الإيمان. أنا أعلم أنك أقوى من هذا المرض، أعلم أن جذورك العميقة ستنتصر على كل ابتلاء.
أنت لست مجرد شجرة، أنت مدرسة في الصبر، أنت جامعة في الإيمان، أنت كتاب مفتوح في الحب والعطاء. من أوراقك تعلمت التسبيح، ومن أغصانك تعلمت العطاء، ومن جذورك تعلمت الثبات.
اصبري كما علمتني الصبر، واحتسبي كما علمتني الاحتساب. إن الله مع الصابرين، والله لا يضيع أجر المحسنين.”
النهاية التي هي بداية
وهكذا بقيت الشجرة الأم واقفة، شامخة، قوية. تواجه ابتلاءها بإيمان راسخ وصبر جميل. أوراقها تسبح الله، وأغصانها تحمد الله، وجذورها تتوكل على الله.
كل من يراها يتعلم منها درساً في الحياة. درساً في الصبر، درساً في الإيمان، درساً في القوة والثبات. لأنها ليست مجرد شجرة – إنها رمز للأمومة الحقيقية، إنها مثال للمرأة المؤمنة الصابرة.
وفي كل مكان من العالم، حيثما وُجد غصن من أغصانها، يحمل معه عبق أوراقها وقوة جذورها وعظمة إيمانها.
هذه قصة أمي الحبيبة
الشجرة التي علمتني معنى الحياة
والصبر والإيمان والعطاء بلا حدود
“وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً”

زر الذهاب إلى الأعلى