الأعمدة

الاستغفار طريق الخلاص: نداء أمل للشعب السوداني المنكوب”

”
بقلم: معاوية أبوالريش
استمعت اليوم لخطبة الجمعة في مسجد سعيد بن تيمور بضاحية الخوير الجنوبية بالعاصمة العمانية مسقط، حيث تحدث الإمام عن فضل الاستغفار وأثره العظيم في حياة المؤمن والمجتمع. وبينما كنت أتأمل في كلماته، تراءت أمامي صور المعاناة التي يعيشها أهلنا في السودان، فأدركت أن الاستغفار ليس مجرد عبادة فردية، بل هو سبيل جماعي للخلاص من الأزمات والمحن التي تحل بالأمم.
يحتل الاستغفار مكانة عظيمة في كتاب الله تعالى، حيث جعله سبحانه سبباً لجلب الخير ودفع البلاء. يقول الله تعالى في سورة نوح: “فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً” (نوح: 10-12). في هذه الآيات الكريمة، نجد أن الاستغفار مرتبط بالرزق والخير والبركة، كما يقول تعالى في سورة هود: “وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ” (هود: 3). وفي سورة الأنفال، يخبرنا الله تعالى أن الاستغفار سبب لرفع العذاب: “وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” (الأنفال: 33).
أما في السنة النبوية الشريفة، فقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإكثار من الاستغفار. روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب” وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عليكم بالاستغفار، فإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة” (رواه ابن ماجه) كما روى مسلم عن الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة”.
من خلال هذه النصوص الشرعية، نستطيع أن نحدد الثمار العظيمة للاستغفار التي تشمل الرزق والخير المادي، فالاستغفار سبب لنزول المطر وزيادة الأموال والأولاد، كما جاء في آيات سورة نوح. كما أنه يجلب الفرج من الهموم والضيق، كما في الحديث الشريف الذي يبين أن الله يجعل للمستغفر من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً. والاستغفار يحقق الأمن من العذاب، فهو يرفع العذاب عن الأمم كما أخبر القرآن الكريم. كذلك يطهر القلب ويزكي النفس، فالاستغفار يمحو الذنوب ويطهر القلب من أدرانها، ويجعل المستغفر أقرب إلى إجابة دعوته لأن الذنوب تحجب الدعاء.
وفي هذا السياق، ينزف السودان اليوم من جراح عميقة خلفتها حرب عبثية مدمرة لا تبقي ولا تذر. فقد تحول هذا البلد الذي كان يُعرف بخيراته وكرم أهله إلى ساحة صراع تأكل الأخضر واليابس. يعيش المواطنون في ظروف قاسية، حيث يعاني المواطنين من إنقطاع الكهرباء لفترات طويلة، وأصبح الحصول على الماء النظيف حلماً بعيد المنال. وانتشرت الأمراض الفتاكة مثل الكوليرا والملاريا، بينما تراجعت الخدمات الصحية إلى مستويات خطيرة. كما تفشت السرقة والنهب في أنحاء البلاد، وأصبح المواطن العادي يخشى على نفسه وأهله، وتهجر الملايين من منازلهم بحثاً عن الأمان، تاركين خلفهم كل ما يملكون.
تهاوى الجنيه السوداني أمام العملات الأخرى، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار جعل الحياة صعبة حتى على الطعام والدواء، بينما استمر تجار الدين في نهب خيرات البلاد والعباد، مستغلين الفوضى لتحقيق مكاسب شخصية على حساب معاناة الشعب. في هذه المحنة العظيمة، يأتي الاستغفار كأعظم سلاح يمكن للشعب السوداني أن يلجأ إليه. فإذا كان الاستغفار سبباً لرفع العذاب عن الأمم، فما أحوجنا إليه في هذا الوقت العصيب.
لنجعل من بيوتنا ومساجدنا وأماكن عملنا محطات استغفار مستمرة، فلنردد: “أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه” في كل وقت وحين. ولنستغفر بالأسماء الحسنى قائلين: “اللهم أنت الغفار فاغفر لنا، وأنت التواب فتب علينا، وأنت الرحمن الرحيم فارحمنا، وأنت القادر على كل شيء فاكشف عنا البلاء”. ولندع دعاءً خاصاً للسودان: “اللهم اكشف عن أهل السودان الغمة، وارفع عنهم البلاء والمحنة، وولِّ عليهم خيارهم، وأبعد عنهم من أشعل نار الفتنة والحرب العبثية، وطهر بلادهم من تجار الدين الذين نهبوا الخيرات”.
إن التاريخ يشهد أن الأمم التي لجأت إلى الله بصدق في محنها، وأكثرت من الاستغفار والتوبة، فرج الله عنها وأبدلها خيراً مما كانت فيه. وقد وعد الله تعالى في كتابه الكريم أنه لا يعذب قوماً وهم يستغفرون. فيا أهل السودان الكرام، أكثروا من الاستغفار في السراء والضراء، في الليل والنهار، في السر والعلانية. واعلموا أن الله قريب مجيب، وأن بعد العسر يسراً، وأن مع العسر يسراً. “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ”(الطلاق: 2-3).
اللهم أصلح أحوال السودان وأهله، وأعد إليهم الأمن والأمان والاستقرار، واجعل هذه المحنة سبباً في تطهير البلاد من الفساد والمفسدين، وولِّ عليهم خيارهم. آمين يا رب العالمين.

زر الذهاب إلى الأعلى