كلما فشل جهد للسلام، أو تعثر مسار لوقف إطلاق النار، تجدهم أول المحتفلين، يلوّحون برايات الوهم، ويهللون كأن الخراب نصر، وكأن دم الأبرياء قرابين تُرضي غرورهم. من أي طينة صُنِع هؤلاء؟ لأي ملة ينتمون وقد جفّت في قلوبهم الرحمة، وسكنت أرواحهم اللعنة؟
لا يعرفون معنى السلام، لأنهم لم يذوقوا مرارة الحرب على حقيقتها. لم ينزحوا من بيوتهم، اللا لقصور في عواصم أخرى، فهم لم يفتّشوا في الركام عن صورة طفل، أو رغيف خبز، أو ما تبقى من دفاتر المدارس. لم يعيشوا في الظلمة ولا تحت القصف، بل وجدوا في الحرب ربحًا، وفي الانقسام فرصة، وفي الدم سلّمًا إلى السلطة
أهنأوا، أهنأوا بحرب ندامتكم هذه…
فقد خُتمت بأسمائكم، وسُطّرت بفجوركم، ولن يغفرها التاريخ.
سيأتي يوم يُحاسب فيه كل من فرح بدمعة، أو استبشر بمجزرة، أو حال دون سلام كان ممكنًا
وحينها، ستكتشفون أن النصر الحقيقي كان في كلمة “كفى”، لا في صخب السلاح
كل حروب تاريخا وحاضرا تُخاض من أجل النصر، اللا حربنا هذه التي تخاض بدافع مجهول، أحيانا يتبدى دافعها الغرور، أو العمى السياسي والفقرالأخلاقي. حرب السودان المستمرة منذ أبريل 2023 هي واحدة من اغرب الحروب، يسمونها حرب الكرامة وهي بلا ادنى تفكير “حرب الندامة”، حرب ستبكي البلاد جرائها طويلًا، وسينكرها أصحابها علنًا بعدما دفعوا الناس إلى الجحيم، وسينفضّ من حولهم حتى من صفقوا في البدء بدافع الحماسة أو الخوف أو الانتماء الأعمى
في كل مدينة احترقت، وكل حي قُصف، وكل طفل شُرّد، وكل أم دفنت أبناءها، يتجسد معنى “الندامة”. ليست ندامة فرد، بل ندامة وطن. وطن خُذل من نخبته، وخُذل من جيشه، وخُذل من المجتمع الدولي، وترك لمصيره، ليواجه أطول انكساراته وأكثرها مرارة.
في “حرب الندامة”، لم ينتصر أحد. الجيش الذي أقسم على حماية الشعب استحال طرفًا في معركة سلطوية مدمّرة، وقوات الدعم السريع التي زعمت حماية الثورة تحولت إلى قوة تمارس النهب والحرق والانتهاك بلا رادع. المدنيون وقعوا بين المطرقة والسندان، يتنقلون بين النزوح والموت والجوع، بينما تختبئ القيادات خلف البيانات الرخوة والمواقف الرمادية
لا أهداف واضحة، لا أفق سياسي، ولا قدرة على الحسم العسكري. فقط وطن يتمزق يومًا بعد يوم، ومجتمع ينهار من الداخل. والأسوأ من ذلك، أن من أشعلوا النار لا يبدو عليهم أثر الندم، لأنهم لم يخوضوا الحرب بأجسادهم، بل بجنود الفقراء، وبيوت الضعفاء، وأحلام البسطاء.
لكن سيأتي اليوم. يوم يُسأل فيه الجميع: لماذا اندلعت الحرب؟ وماذا حققتم منها؟ ومَن سيعيد للناس بيوتهم المهدمة؟ وذكرياتهم المبعثرة؟ ومَن سيطبّب هذا الجرح الغائر في قلب السودان؟ عندها فقط، ستنطق الندامة.
إنها حرب لا رابح فيها سوى الخراب، ولا نتيجة لها سوى الدمار، ولا وصف أدق لها من أنها: حرب الندامة
و
لنطلق هشتاق
#حرب_الندامة
و
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
عثمان فضل اللهِ



