” حوار في مقهى الواقع: عندما تلتقي الأحلام بالحقيقة! مواطن سوداني من الخرطوم يلتقي بالهندي عز الدين في مطار بورتسودان”
بقلم: معاوية أبوالريش
الهندي: السلام عليكم يا أخونا! شايفك منزعج شديد، شنو المشكلة؟ ما شايف الحياة كيف ماشة هنا في بورتسودان رغم الحر الشديد؟ كل الناس بتشتغل علشان تثبيت أركان الدولة السودانية!
المواطن: (يمسح العرق) وعليكم السلام… أركان شنو يا زول؟ أنا جاي من الخرطوم الآن ، الليل كله ما نمتا من الحر، الكهربا مقطوعة من أسبوع كامل!
الهندي: لكن يا أخي، الرئيس البرهان بيعانق الجماهير في الخرطوم وبيتابع تهيئة العاصمة لاستقبال الملايين!
المواطن: (يضحك بمرارة) يعانق الجماهير ؟ يا ود الحلال إنت في أي كوكب عايش؟ الجماهير دي قاعدة في الضلمة! أمبارح المستشفى رفضوا يدخلوا ولدي المريض لأنو الكهربا قاطعة والأجهزة ما بتشتغل!
الهندي: بس شوف حوليك! موظفات شركة زين وسوداني في صالة الوصول، عمال المطار… كلهم بيشتغلوا بنشاط!
المواطن: أيوة بيشتغلوا صحيح، بس بالله عليك، راتب الموظف دا كم؟ ما بيجيب عيش أسبوع! والست دي الشغالة في زين، لمن تمشي بيتها تلقى الموية مقطوعة ومافي غاز تطبخ بيهو!
الهندي: أخي الكريم، رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بيكمل التشطيبات النهائية لانطلاقة الحكومة المدنية الجديدة…
المواطن: (يقاطعه بحدة) حكومة مدنية؟ يا زول إنت بتتكلم جد ولا بتضحك علينا؟ دي حكومة عسكر! وين المدنية دي؟ في الدبابات الماشة في الشوارع؟
الهندي: والقائد كيكل بيقود معارك التطهير في كردفان انتقالاً إلى دارفور…
المواطن: (بصوت متعب) معارك تاني؟ يا أخونا إحنا زهجنا من المعارك! عايزين معركة ضد الجهل، معركة ضد المرض، معركة ضد الفقر! ما كل شوية حرب وقتال وموت!
الهندي: لكن السودان أكبر من أي مؤامرة خارجية…
المواطن: (بصوت يملؤه الألم) والله إنت محق، السودان أكبر من أي مؤامرة… بس السودان كمان أكبر من الكلام الفاضي دا! أنا عيالي جعانين، بيتي ما فيهو كهربا ولا موية ، والكوليرا والملاريا حايمة و الدوا في الصيدلية بي قروش كتيرة ما عندي … وين الدولة دي اللي بتتكلم عنها؟
الهندي: أخي الكريم ، لازم ننظر للمستقبل بتفاؤل…
المواطن: (يهز رأسه بحسرة) التفاؤل كويس يا أستاذ، بس ما على حساب الصدق! أنا ما عندي مشكلة انك تكون متفائل، بس ما تقول للناس في الخارج إنو كل حاجة تمام، لأنو البيجي ويشوف الحقيقة بيصدم ويجن عديل كده ! جاري أبو أحمد رجع من السعودية الشهر الفات، قعد يومين وهرب تاني، قال ما قدر يستحمل الوضع دا!
الهندي: بس الإنجازات موجودة…
المواطن: أي إنجازات يا زول؟ وريني إنجاز واحد ألمسو بإيدي! الشارع مليان حفر تكسر العربات ، المستشفيات بلا دوا، المدارس سقفها بيقع على الأطفال! حتى المطار دا الواقفين فيهو، شوف حالتو كيفن!
الهندي: (بدأ يتردد) ممكن… ممكن الأمور تحتاج شوية وقت…
المواطن: (بصوت حزين جداً) يا أخونا، إحنا صبرنا تلاتين سنة مع البشير وهو كل سنة كان بيجي بورتسودان دي ويقول للناس “الموية جاية قريب”… والناس ماتت عطش! صبرنا على كل الحكومات وكلها نفس المسرحية… “اصبروا شوية”، “الأمور ماشية”، “إنجازات جاية”… والشعب بيموت في الصمت!
الهندي: (بصوت منكسر) أفهم مشاعرك…
المواطن: لا يا أستاذ، إنت ما بتفهم! لأنك عايش برة الخرطوم وبتشوف الصورة الحلوة بس. لكن إحنا عايشين الجحيم كل يوم! لمن تقعد معانا في بيت بلا كهربا في الحر دا، وتشرب معانا موية عكرة، وتشوف عيالك جعانين ومرضانين… ساعتها حتفهم ليه الكلام الكتبتو في أكس دا بيقطع قلوبنا!
الهندي: (يبتلع ريقه بصعوبة) وإنت… إنت ليه ما هاجرت زي غيرك من زمان؟
المواطن: (بفخر رغم الألم) لأنو دي بلدي يا زول! دي أرضي وأرض أجدادي! ما كل زول يقدر يسيب أهلو ووطنو ويمشي! والواحد لازم يقعد ويشيل البلاء ويحارب علشان تتغير الأحوال!
الهندي: (بعد صمت طويل) أعتذر منك… ممكن أكون كنت شايف الأمور من زاوية غلط…
المواطن: (يربت على كتفه بحنان) ما عليك يا أخونا، بس خلاص كفاية كذب على الناس. قول الحقيقة ولو كانت مرة زي العلقم. الحقيقة ما بتضر، لكن الكذب… الكذب هو اللي خلانا نوصل للحالة المؤسفة دي!
الهندي: (ينظر حوله بعيون جديدة) والله… أول مرة ألاحظ إن مكيف المطار عطلان…
المواطن: (يبتسم بمرارة) شايف؟ دي أول خطوة للصحيان من الحلم! المكيف عطلان من شهور، والمولد الكهربائي بيشتغل ساعة ويفصل ساعة!
(يُسمع صوت إعلان رحلة المغادرة)
المواطن: (وهو يحمل شنطته البالية) طيارتي وصلت… يا رب يهدينا جميعاً للحق يا أستاذ. والله المستعان على الزمن الصعب دا!
الهندي: (ينظر إليه وهو يمشي بكرامة رغم كل شيء، ثم يخرج تلفونه ويمحي التغريدة وهو يقول في نفسه) والله الراجل دا فهمني حاجات كتيرة…
(صوت من بعيد – موظف المطار يصيح): الكهربا قطعت تاني! المولد خلاص!
(الهندي يبتسم بمرارة وهو ينظر لشاشة تلفونه المظلمة): حتى التلفون بطاريتو خلصت… دي إشارة ولا إيه؟



