بقلم: المستشار معاوية أبوالريش النفاق السياسي في أبشع صوره:
في أحد أغرب مشاهد التناقض السياسي والأخلاقي، تطل علينا القيادات السودانية من عواصم آمنة ومريحة لتدعو المواطنين السودانيين للعودة إلى وطن تحول إلى مقبرة جماعية. إنها دعوات العودة “الطوعية” التي تصدر ممن اختاروا لأنفسهم ولأسرهم المنافي الآمنة، بينما يحاولون إقناع الشعب السوداني بأن العاصمة الخرطوم أضحت واحة أمان ومهد حياة كريمة.
واقع الأمن المزعوم: خرافة تصطدم بالحقيقة المرة:
لو كان ما يدعونه من أمان العاصمة حقيقة، فلماذا تظل أسر القيادات العليا في الجيش السوداني وزعماء حزب المؤتمر الوطني البائد في منافيهم الذهبية؟ لماذا لا يقدمون المثال بعودة أبنائهم وزوجاتهم إلى حضن الوطن؟ إن الإجابة بسيطة ومؤلمة: لأنهم يعلمون جيداً أن الخرطوم لا تزال جحيماً يلتهم كل من يدخله.
الوضع الأمني تدهور عبر معظم أنحاء البلاد، وانتشرت الفوضى في المراكز الحضرية، مما عرض السكان المدنيين للعنف والاعتداء والسرقة والنهب. والحقيقة المرة أن كثيراً ممن استجابوا لتلك الدعوات المضللة تعرضوا لنهب ممتلكاتهم ومقتنياتهم على يد “الشفشافة” وحتى من بعض أفراد القوات النظامية والحركات المسلحة.
كارثة صحية تتفاقم: الكوليرا والموت البطيء:
يواجه السودان اليوم كارثة صحية حقيقية تجعل من دعوات العودة مزحة سوداء بامتياز. منذ أغسطس 2024 وحتى مايو 2025، سجلت وزارة الصحة السودانية أكثر من 60 ألف حالة كوليرا وأكثر من 1600 حالة وفاة. وفي الخرطوم وحدها، تشهد العاصمة أكثر من 1000 حالة يومياً، في مشهد يذكرنا بأوبئة القرون الوسطى.
انقطاع الكهرباء عن محطات معالجة المياه يعني عدم قدرتها على توفير مياه نظيفة من النيل، مما يجبر السكان على شرب المياه الملوثة مباشرة من النهر أو من المصادر الجوفية الملوثة. هذا في الوقت الذي يحذر فيه خبراء الأمم المتحدة من أن مليون طفل معرضون للخطر في المناطق المتأثرة بالكوليرا في الخرطوم.
انهيار البنية التحتية: عودة إلى عصر ما قبل الحضارة:
الواقع في الخرطوم أشبه بعودة قسرية إلى عصور الظلام. حتى المسؤولون الدوليون المتمرسون في مناطق الصراع يصفون مستوى الدمار في الخرطوم بأنه “لا يمكن تصوره”، حيث نُهبت محطات الكهرباء ودُمرت أنابيب المياه في كل مكان.
انقطاع الكهرباء أصبح القاعدة وليس الاستثناء، والحصول على المياه النظيفة تحول إلى مهمة شبه مستحيلة. أما غلاء الأسعار فقد وصل إلى مستويات جنونية بسبب تهاوي قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، خاصة الدولار، مما جعل الحياة الكريمة مجرد حلم بعيد المنال.
منظومة صحية منهارة ومستشفيات تحتضر:
النظام الصحي في البلاد دُمر بالكامل، مع هجمات وتوغلات متكررة في المستشفيات واحتلال مستمر للمرافق الصحية. أكثر من 80% من المستشفيات خارج الخدمة، وتلك التي تعمل تعاني من نقص في المياه والكهرباء والأدوية.
والمفارقة المؤلمة أن الأدوية، إن وجدت، فهي باهظة الثمن لدرجة تجعلها ترفاً لا يقدر عليه معظم المواطنين. في هذا الجو المشحون بالمرض والموت، تصبح دعوات العودة أشبه بدعوة للانتحار الجماعي.
جثث ترقد تحت التراب وأمراض تنتشر في الهواء:
لا تزال المدارس والميادين مليئة بالجثث التي دُفنت على عجل أيام الحرب المدمرة. جرفت مياه الأمطار الأخيرة هذه الجثث، مما أدى إلى انتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة. المشهد يذكرنا بسيناريوهات نهاية العالم، حيث تختلط جثث الموتى بمياه الشرب ومصادر الغذاء.
كما أن خطر انبعاثات الأسلحة الكيميائية التي استخدمتها القوات المسلحة، والتي يُعتقد أنها غاز الكلور، يهدد الكثير من السكان في الأحياء التي استُخدمت فيها هذه الأسلحة المحظورة دولياً.
أزمة غذائية تفاقم المأساة:
نحو 25 مليون شخص – أكثر من نصف السكان – يعانون حالياً من نقص غذائي شديد. هذا الجوع المدقع يضعف الأجسام ويجعلها أكثر عرضة للأمراض المعدية، مما يخلق حلقة مفرغة من المرض والموت.
الخبراء يحذرون من أن الجمع بين سوء التغذية والأمراض المعدية قد يؤدي إلى “وفيات زائدة تُقدر بمئات الآلاف خلال العام المقبل”، مما يجعل العودة إلى السودان الآن بمثابة رحلة نحو الموت المحقق.
النفاق السياسي والمصالح الشخصية:
إن فلول النظام البائد الذين تسببوا في تشريد ونزوح ملايين المواطنين السودانيين بسبب إشعالهم لهذه الحرب العبثية المدمرة، ها هم الآن، وبعد أن نجحوا في العودة إلى السلطة، يدعون السودانيين مجدداً للعودة إلى عاصمة موبوءة بالأمراض الفتاكة. إنه نفاق سياسي يصل إلى حد الجريمة ضد الإنسانية.
هؤلاء القادة الذين يتمتعون بالأمان في منافيهم الذهبية، يعلمون جيداً أن من لم يمت بالرصاص في السودان، فسوف يموت بالمرض. لكنهم مستمرون في دعواتهم المضللة لأن عودة المواطنين تعني عودة الشرعية الشعبية المزعومة لحكمهم الفاشل.
خطر الانتشار الإقليمي:
نحو 3 ملايين شخص فروا إلى البلدان المجاورة، بما في ذلك جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد ومصر وإثيوبيا وجنوب السودان. لكن مخيمات اللاجئين المكتظة في هذه البلدان تكافح لاستيعاب تدفق الوافدين الجدد، وشح الموارد الطبية يعيق جهود احتواء تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا.
هذا يعني أن أزمة السودان لم تعد قضية داخلية، بل تهديد إقليمي حقيقي قد ينتشر عبر الحدود ويؤثر على الاستقرار في منطقة شرق أفريقيا بأكملها.
دعوة للصحوة والمقاومة:
إن دعوات العودة الطوعية التي تصدر من أبراج عاجية آمنة، بينما الوطن يغرق في بحر من الدماء والأمراض، تمثل قمة النفاق السياسي والاستهتار بأرواح المواطنين. هؤلاء القادة الذين اختاروا الأمان لأنفسهم ولأسرهم، يريدون من الشعب السوداني أن يكون وقوداً لآلة حربهم ومطعماً لشرعيتهم المزعومة.
الحقيقة واضحة وضوح الشمس: السودان اليوم ليس آمناً للعودة. إنه أرض موبوءة بالأمراض الفتاكة، مدمرة البنية التحتية، منهارة الخدمات الأساسية. والعودة إليه في ظل هذه الظروف لا تعني سوى شيء واحد: الموت البطيء أو السريع.
على الشعب السوداني أن يفهم أن حياته أغلى من أي دعوة سياسية مضللة، وأن الوطن الحقيقي ليس التراب والحجر، بل الأمان والكرامة والحياة الكريمة. وحتى يتحقق ذلك، فإن البقاء في بلدان اللجوء، رغم صعوباته، يبقى أفضل من العودة إلى أرض تحولت إلى مقبرة جماعية.
إن الصمت على هذا النفاق جريمة، والاستجابة لهذه الدعوات انتحار. والوقت قد حان لفضح هؤلاء المنافقين الذين يدعون للعودة من خلف الشاشات بينما أسرهم تتمتع بالأمان في أوروبا وأمريكا وتركيا وغيرها من الدول .



