الأعمدة

منتصر عبد الله المحامي.. عشرة أشهر من الظلم

كتب: دكتور كمال محمد الأمين
هل تعرفون منتصر عبد الله؟ لا.. لا تقولوا لا نعرفه. أنتم تعرفونه جيداً، وإن لم تروا وجهه قط، وإن لم تسمعوا صوته من قبل. منتصر عبد الله هو كل شاب حمل في قلبه حلماً، وفي عقله فكرة، وفي يده قلماً.. أو هو كل إنسان قرر أن يدافع عن المظلومين في زمن كثر فيه الظالمون.
ولكن.. هل يحتاج الأمر إلى هذا التفسير؟ الحقيقة أن منتصر عبد الله المحامي شاب صغير السن كبير المقدار، . لأن المقدار الحقيقي للإنسان لا يُقاس بالسنوات، بل بما يفعله في هذه السنوات.
لماذا نسكت؟
لقد مضت عشرة أشهر… عشرة أشهر كاملة وهذا الشاب خلف القضبان. لماذا؟ لأنه تجرأ وفتح فمه. لأنه قال كلمة الحق في وجه الظالمين. لأنه طلب الاطلاع على بلاغ.. مجرد طلب اطلاع!
أتعرفون ماذا يحدث لنا عندما نسكت؟ نصبح مثل الماء الراكد… يأسن. ونصبح مثل الضمير النائم… يموت. وعندما يموت الضمير، لا تتوقعوا أن ينتصر العدل، أو أن تقوم محكمة، أو أن يُفتح سجن.
المشكلة ليست في منتصر عبد الله وحده. المشكلة فينا نحن. في سكوتنا. في تبريرنا. في أننا نجد دائماً ألف عذر للظالم، ولا نجد عذراً واحداً للمظلوم.
الفساد… هذا اللعين
قال الله عز وجل: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً”. هذا ما حدث بالضبط. أصبح البلد حوشاً كبيراً من السمسرة، حتى أصغر “بلبوسي” – يستطيع أن يدخل سوق السمسرة ويصبح في أسابيع ملياردير.
والنتيجة؟ اقتصاد مدمر، وشعب جائع، وعدالة معطلة. لأن الفساد، يا سادة، ليس مجرد رقم في الميزانية. الفساد هو فيروس يدمر كل شيء: القيم والأخلاق والضمائر.
الحرب على من؟
يقولون إن الحرب على الجنجويد. هذا الكلام المكتوب على اللافتات. أما الحقيقة الخفية، فهي أن الحرب على القوى المدنية، لأنها الوحيدة التي تقود الوعي، .
وهذا منطقي تماماً. فالديكتاتور لا يخشى من الجاهل أو الصامت أو الخائف. الديكتاتور يخشى من المثقف الذي يقرأ، ومن المحامي الذي يعرف القانون، ومن الكاتب الذي يملك قلماً، ومن أي إنسان يملك ضميراً حياً.
ولهذا تم تفتيش الهواتف. ولهذا أصبحت صورة حميدتي جريمة تستحق الموت أو السجن وينبري عشرات المتماهين مع الظلمه بأنهم ( متعاونين) أتعرفون لماذا؟ لأن الطغاة يعرفون أن الخوف إذا دخل قلب الإنسان، خرج منه كل شيء آخر: الكرامة والحرية والإنسانية.
منتصر… والكلمة التي لا نلقي لها بالاً
“إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى”. هكذا قال القرآن الكريم. وهكذا طغت السلطة عندما ظنت أنها استغنت عن الشعب، وعن القانون، وعن العدالة.
منتصر عبد الله فتح مكتبه في بورسودان لكل الزملاء الذين ضاقت بهم السبل. فعل ما يفعله أي إنسان شريف: مد يد العون. ولكنه تجرأ على أمر آخر: طلب الاطلاع على بلاغ. مجرد طلب!
والنتيجة؟ عشرة أشهر في السجن، بلا محاكمة.
أتعرفون كم كلمة نقولها في اليوم الواحد؟ الآلاف. ولكن هناك كلمة واحدة قد تكلفك حريتك، أو حياتك. كلمة واحدة قد تجعلك بطلاً، أو شهيداً، أو سجيناً.
وماذا عن الذين أيدوا؟
“لَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ”. هذا ما قاله القرآن للذين يركنون إلى الظالمين. والركون هنا ليس فقط التأييد، بل حتى السكوت.
وقد خرج بعض “المغيبين عقلياً” – ليؤيدوا هذا الظلم. ونسوا أن “الكلمة التي ينطق بها المرء ولا يُلقي لها بالاً، تهوي به في النار سبعين خريفاً”، كما قال الحديث الشريف.
هؤلاء نسوا أن التاريخ لا يرحم. نسوا أن الأجيال القادمة ستسأل: أين كنتم عندما سُجن الأبرياء؟ أين كنتم عندما انتُهك القانون؟ أين كنتم عندما مات العدل؟
ختاما:
منتصر عبد الله اليوم في السجن. ولكن الفكرة التي يحملها لا يمكن سجنها. العدالة التي يؤمن بها لا يمكن قتلها. الحق الذي يدافع عنه لا يمكن دفنه.
وسيأتي يوم – وأنا متأكد من هذا – سيخرج فيه منتصر من السجن، وسيدخل فيه الذين سجنوه. لأن هذه هي سنة الحياة: الحق ينتصر في النهاية، ولو بعد حين.
ولكن السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا: في أي صف سنقف عندما تكتب النهاية؟ مع منتصر عبد الله المحامي؟ أم مع الذين سجنوه؟
الاختيار لكم. والتاريخ ينتظر.
“إن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً”

زر الذهاب إلى الأعلى