في تطور قضائي نادر، أصدرت محكمة جنايات الأبيض العامة في ولاية شمال كردفان، برئاسة القاضي محمود محمد إسحق، حكماً بالسجن المؤبد بحق اثنين من أفراد القوات المسلحة السودانية، وذلك بعد إدانتهم في قضية اعتداء جسيم “اغتصــــ.ـاب” استهدف إحدى المواطنات بمدينة الأبيض. وقد جاء القرار القضائي عقب جلسات استماع شملت عرض قضية الاتهام والدفاع، إلى جانب استجواب المتهمين، حيث ثبت تورطهما في الواقعة التي حدثت في الثالث من أبريل الماضي.
وبحسب ما ورد في حيثيات الحكم، فإن أحد المدانين يحمل رتبة رقيب في سلاح المدرعات، بينما يشغل الآخر رتبة رقيب أول في سلاح المهندسين. وقد استندت المحكمة في قرارها إلى المادتين 146/21 من القانون الجنائي السوداني لعام 1991، اللتين تُعنى بالجرائم ذات الطابع الاعتدائي وتُشدد العقوبات المقررة لها.
ويُنظر إلى هذا الحكم، وفقاً لمراقبين قانونيين، باعتباره خطوة قضائية بارزة في ظل تصاعد المطالبات بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، خاصة تلك المرتبطة بالنزاعات المسلحة التي تشهدها البلاد منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ويأتي هذا القرار في وقت تتزايد فيه الشكاوى من حالات الإفلات من المساءلة القانونية في قضايا تمس سلامة المدنيين وكرامتهم، ما يجعل هذا الحكم موضع اهتمام واسع في الأوساط الحقوقية والقانونية.
وتُعد مدينة الأبيض من المناطق التي شهدت اضطرابات أمنية متكررة خلال الأشهر الماضية، في ظل ظروف إنسانية متدهورة ونزوح واسع للسكان، الأمر الذي فاقم من هشاشة الوضع الاجتماعي وزاد من تعقيد جهود الحماية القانونية. وقد وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية خلال العامين الماضيين مئات الانتهاكات بحق المدنيين، من بينها حالات اعتداء جسدي ونفسي طالت نساء وفتيات في مناطق النزاع، ما دفع الأمم المتحدة وعدداً من الجهات الحقوقية إلى التأكيد على ضرورة ملاحقة الجناة قضائياً وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
ويرى عدد من القانونيين أن الحكم الصادر عن محكمة الأبيض قد يشكل سابقة قضائية من شأنها أن تفتح المجال أمام النظر في قضايا مشابهة، خاصة في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لمكافحة الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، وتعزيز دور القضاء في حماية المدنيين. وتأتي هذه القضية في سياق الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، والتي شهدت خلالها البلاد تصاعداً في الانتهاكات ضد السكان، بما في ذلك حالات اعتداء موثقة من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية.
وقد أشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى استخدام الاعتداءات الجسدية كوسيلة ضغط في النزاع، وسط مخاوف من اتساع نطاق الإفلات من العقاب نتيجة لانهيار مؤسسات العدالة في عدد من المناطق المتأثرة. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الحكم القضائي الصادر في الأبيض على أنه مؤشر على استمرار عمل بعض المسارات القانونية رغم التحديات الكبيرة التي فرضتها الحرب، ويُعد خطوة مهمة نحو تعزيز مبدأ المساءلة في قضايا تمس الحقوق الأساسية للمدنيين.



