جمال طه يكتب:
الفريق أول عبد الفتاح البرهان القائد العام للجيش السوداني صدق في 17 أغسطس 2025 على أربع قرارات محورية:
الأول: نشرة الترقيات والتنقلات والاحالة.. كشوف الإحالة للتقاعد توقف صدورها مع النشرة منذ ابريل 2023 نتيجة التعبئة للحرب، التفسير شبه الرسمي لصدورها هذا العام اعتبارات مهنية تتعلق بالسيطرة على حالة الترهل وتجاوز الأعداد المحددة لكل رتبة، بعد أن أصبحت بعض الرتب دون مهام تمارسها.. غير أن شمول الإحالات أكثر من 150 ضابطًا محسوبين على تيار الإخوان التابع لجناح «نافع علي نافع وإبراهيم محمود»، أبرز قيادات حزب المؤتمر الوطني المنحل -الذراع السياسي للإخوان- المعادين للبرهان، والمناوئين للأمين العام للحركة الإسلامية «علي كرتي»، قد أضفى على القرار أبعادًا سياسية وأمنية.
الثاني: إعادة تشكيل هيئة أركان الجيش برئاسة الفريق أول محمد عثمان الحسين، وعدد من النواب معظمهم جدد، وتجديد الثقة في الفريق محمد علي أحمد رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، وتعيين قادة جدد لسلاح الطيران والدفاع الجوي والمفتش العام للجيش.. وتستهدف التغييرات تعزيز السيطرة المركزية وتغليب عاملي الكفاءة المهنية والولاء وتجنب الانتماءات الحزبية.
الثالث: إخضاع الميليشيات المسلحة المساندة للجيش لأحكام قانون القوات المسلحة، بعد أن كانت تتبع للمناطق العسكرية التي تعمل بها، وذلك تعزيزا لسيطرة الجيش، ومنع التفلتات الأمنية، وحظر حمل السلاح خارج ميادين العمليات، ويطبق القرار على القوات التي التزمت باتفاقية جوبا للسلام مع الحركات المسلحة عام 2020، والقوات التي تم استنفارها للحرب ضمن قانون الاحتياط.
الرابع: اخلاء الخرطوم من القوات والكيانات المسلّحة، وانتشار الشرطة لتهيئة الأوضاع لعودة النازحين، والسيطرة على انتشار السلاح والقضاء على نشاط العصابات المسلحة.
***
نشير الى أنه منذ انتخاب «علي كرتي» أمينًا عامًا للحركة الإسلامية في سبتمبر 2024، وانتخاب «أحمد هارون» قائدا للحركة في نوفمبر 2024، أصبحا واجهة للتيار الأكثر تماسكًا، وهمزة الوصل مع الجيش، وهو ما رفضه جناح «إبراهيم محمود حامد ونافع علي نافع»، ما أدى لانشقاق التيار الإسلامي الى جناحين الأول « كرتي وهارون» يسعي للعودة الى السلطة عبر التحالف الوثيق مع قيادة الجيش، الثاني جناح براجماتي «إبراهيم ونافع» ينازع الجيش على الشرعية وقيادة الدولة، وبالتالي أصبحت العلاقة بالمؤسسة العسكرية ومسار ما بعد الحرب محورا للصراع داخل التيار الإسلامي، بين تيار يمثل خطرا كامنا، وآخر يمثل خطرا عاجلا على السلطة الحاكمة.
ورغم تفهم البرهان لأطماع كرتي، فقد كان في حاجة إلى الكتلة التنظيمية والتعبوية التي تضم كوادر المؤتمر الوطني، واللجان الشعبية، والتعبئة الجهادية، تعزيزا لجبهة الجيش ضد الميليشيات، إضافة لما يقدمه للبرهان من «شرعية أيديولوجية وتنظيمية» عبر خطاب إسلامي تعبوي في أوساط مريديهم، وذلك دون السماح بابتلاعه المؤسسة العسكرية، أو التغول السياسي.. وهكذا نشأ تحالف تكتيكي هش لا غنى عنه للبرهان بين الجيش وجناح «كرتي/هارون»، وظل الطرفان يسعيان للاحتفاظ باليد العليا في مرحلة ما بعد الحرب.
تلك مقدمة لازمة لتفهم أبعاد التطورات التي أعقبت قرارات البرهان.
***
موقع «المنشر» المستقل نشر مطلع فبراير 2025 تقريرا أكد أن الحركة الإسلامية تخطط للانقلاب على البرهان، وتقديم اللواء «نصر الدين عبد الفتاح» قائد سلاح المدرعات وأحد العناصر البارزة في الحركة الإسلامية كبديل له في القيادة، لا سيما وأنه كان المشرف على العمليات الحربية وله فضل استعادة الخرطوم، وزعم الموقع أن التنسيق بشأن هذه التحركات تم خلال زيارة الجنرال نصر الدين للدوحة في نوفمبر 2024، وتم منحه ومخصصات مالية وسكن لإقامة أسرته.
إحالة اللواء نادر المنصوري قائد الحرس الرئاسي للتقاعد أيضا أثارت غضب الإسلاميين؛ لأنه تصدى لهجوم الميليشيات على مقر القيادة العامة للجيش وحصارهم، وحال دون اقتحامه، حتى غادره البرهان في أغسطس 2023، ولم يغادره الا آخر مارس 2024 بعد تصفية الميليشيات التي كانت تحتل برج المخابرات المقابل.. غير أن الحقيقة أنه في فبراير 2025 اقترحت قيادات أمنية وعسكرية رفيعة إحالة المنصوري للمعاش أو نقله من الحرس لشكوك في ولائه، لكن البرهان القائد العام فضل عدم التسرع لتسريب الخبر وشن حملة رفض واسعة له من كتائب الاخوان على وسائل التواصل.
موقع «تاج بريس» المستقل المعني بأخبار السودان ومحيطه، أشار في 18 أغسطس -نقلا عن «رويترز»- الى وثيقة صادرة عن حزب المؤتمر الوطني بشأن الدور الذي لعبته الشبكات الإسلامية خلال العام الأول للحرب «المشاركة بـ 2000 الى 3000 عضو، دفع 5000 عضو مقاتل التحق بعضهم بالقوات الخاصة والآخر بوحدة النخبة التابعة للمخابرات العامة، تدريب 70 ألف متطوع مدني ضمن اجراءات التعبئة العامة»، ويعني ذلك أن انتهاء التوافق بين الجيش والإسلاميين لن يحدث اختلالا استراتيجيا في موازين القوى، ولن يؤدى الى انهيار جبهات المواجهة ضد الميليشيات.
***
مجموعة «إبراهيم ونافع» سارعت بعقد اجتماع سري مساء 17 أغسطس، بمدينة «كسلا»، وكان تقديرهم أن البرهان وكرتي قرأوا مبكرًا التحركات المضادة للمجموعة، فقطعوا الطريق عليهم بإحالة الضباط الموالين للتقاعد، واعتبروا نشرة الإحالة والترقيات محاولة لحسم المواجهة داخل التيار الإسلامي لصالح جناح كرتي، وقرروا استغلال حالة التوتر التي سادت الأوساط العسكرية والسياسية، لرفع مذكرة ضد إحالة الضباط للتقاعد خاصة اللواء نصر الدين قائد المدرعات، واتهموا البرهان بالسعي للتخلص من الضباط المهنيين.
«المصباح طلحة» قائد كتيبة «البراء» نسب الفضل في التقدم العسكري الذي حققه الجيش لكتائب الإخوان، كما وجه «عبد الحي يوسف» القيادي الإخواني انتقادات حادة للبرهان، ما أثار غضبا واسعا بين ضباط الجيش الذين طالبوا باستبعاد كتائب الإخوان من الميدان، واصفين استمرارها بـ «المخاطرة»، خاصة وأن العديد من قادتها وكبار القادة المنتمين للإخوان داخل الجيش «اللواء نصر الدين، اللواء عبد الباقي بكراوي قائد ثاني المدرعات، قادة فرق وألوية أخرى» يتطلعون لمنصب قائد الجيش، مما يهدد استقرار المؤسسة العسكرية وانضباطها، وأحدهم «بكراوي» قاد محاولة انقلابية في 21 سبتمبر 2021.
الأجهزة الأمنية تحركت فجر 19 أغسطس لإحباط محاولة الانقلاب، وشملت الاعتقالات مولانا أحمد هارون رئيس حزب المؤتمر -الذي ثبت انحيازه للانقلابيين- كما شملت ضباطًا متقاعدين وآخرين تقاعدوا في النشرة الأخيرة، وكذا بعض الشخصيات المرتبطة بجناح «إبراهيم ونافع» داخل حزب المؤتمر المنحل.
***
بعض المحللين فسروا الإجراءات ضد القيادات الموالية للإخوان داخل الجيش، وضد الميليشيات المسلحة باعتبارها نتاج لمقابلة البرهان مع «مسعد بولس» مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، بمدينة زيورخ السويسرية، خاصة مع ما تردد عن تحذيرات للبرهان من أن إدارة ترامب «أقل احتمالا وصبرا تجاه الميليشيات الإسلامية»، وأنها خيرت البرهان بين اتخاذ إجراءات عملية ضدها، للحفاظ على الجيش دون مظلات أيديولوجية تعيد إنتاج الأزمات، أو توقع عواقب جدية من واشنطن.
والحقيقة أن الإجراءات المضادة للإخوان هي محاولة لحسم مبكر للجولة الأولي من معركة حتمية، أجلتها الحرب، وأن الجولة الثانية ضد جناح كرتي لن تتأخر كثيرا، ما قد يؤدي لصدام مع ميليشيات الاخوان، وهو ما ينبغي تأجيله لحين اقتراب حسم معركة تحرير دارفور وكردفان، وربما كان ذلك مدخلا لتفاهمات توقف الدعم الاقليمي لميليشيات الدعم السريع بعد الاطمئنان لاستبعاد تيار الاخوان من السلطة.



