الأعمدة

لماذا يرفضون وقف الحرب في السودان؟!! حين تصبح السلطة أغلى من الوطن… والحرب وسيلة للبقاء في الحكم!!

✍️ بقلم: محمد الفاتح حضرة
في أحدث تطور بشأن المبادرة الأمريكية لوقف الحرب، طُرح جدولٌ لانسحابات متبادلة تمهيدًا لوقف إطلاق النار وفتح الطريق أمام الحل السياسي.
لكن جاء رد قيادة الجيش السوداني ـ بحسب ما نُشر عن موقفها ـ بأنها لا تمانع الهدنة، بشرط انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي تسيطر عليها في كل أنحاء السودان قبل تنفيذها.
وهنا يتوقف كل سوداني أمام سؤال لا يجوز الهروب منه…
هل هذا هو منطق من يريد فعلًا إيقاف الحرب؟!!
وهل تُبنى الهدنة أصلًا على اشتراط أن يحقق أحد طرفي الحرب كل أهدافه العسكرية قبل أن تبدأ؟!!
فإذا كان هذا هو المنطق…
فلماذا تُسمى هدنة؟!!
ولماذا تُسمى مفاوضات سلام؟!!
🛑 دعونا نختبر هذا المنطق… 🧐🫵
هل سيقبل الذين يؤيدون هذا الشرط، إذا أعلن الدعم السريع غدًا:
لن نقبل الهدنة إلا بعد إنسحاب الجيش وحلفائه من جميع المناطق التي يسيطرون عليها؟!!
🧐🤔 بالله عليكم
إذا تمسك كل طرف بالشرط نفسه…
فمن الذي سيوقف الحرب في السودان ؟!!
ومن الذي سينقذ الشعب السوداني؟!!
ومن الذي سيوقف القتل والجوع والنزوح؟!!
إن النتيجة المنطقية الوحيدة ستكون هي:
إستمرار الحرب إلى أجل غير معلوم ‼️
إن الهدنة في كل الحروب ليست إعلانًا للمنتصر والمهزوم…
🫵وإنما هي وسيلة لوقف نزيف الدم، وإغاثة المدنيين، وفتح الطريق أمام حل سياسي.
🛑 المتابع لمسار هذه الحرب منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023 يلاحظ نمطاً يكاد يتكرر في كل مبادرة…وكأنها إستراتجية يلتزمون بها :-
🫵كل مشروع يمكن أن يؤدي إلى وقف الحرب، ثم استئناف العملية السياسية، ثم استكمال التحول المدني والانتقال الديمقراطي…
فإنه يواجه مقاومة شديدة، أو يُحاط بشروط تجعل تنفيذه مستحيلاً .
وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً…
لماذا يفعلون هذا بالشعب السوداني ؟!!
في تقديري…
لأن وقف الحرب لا يعني فقط إسكات المدافع…
بل يعني أيضًا نهاية المرحلة التي أصبحت فيها القوة العسكرية هي الطريق إلى السلطة.
ويعني عودة الحديث عن الدولة المدنية…
والدستور…
والانتخابات…
وتداول السلطة…
وخضوع الجميع لحكم القانون.
🫵وهذا هو التحول الذي يبدو أن بعض القوى المتحاربة تخشى نتائجه، لأنه يهدد إستمرار نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي.
ولذلك يصبح إستمرار الحرب عندهم – مهما بلغت كلفته الإنسانية – أقل ضرراً عندها من سلامٍ قد يفقدهم السلطة.
🛑 لكن القضية ليست سياسية فقط…
بل هي أيضًا عِلّة أخلاقية لازمت جانباً من النخب السودانية منذ الاستقلال.
عِلّة الكِبر… والحسد السياسي… والهوى… ورفض أن ينجح الآخر.
هذه هي العِلّة التي جعلت أحزابًا تجتهد في أن تُفشل خصومها بشتي السبل ولو خسر السودان كل شيء…
هذه هي العلة التي جعلت السودان يشهد انقلابات عسكرية عديدة تُرتكب بإسم الوطن وبإسم إنقاذ الشعب السوداني، بينما هي في الحقيقة تدمر الوطن…وتقتل المواطن ‼️
وهي العلة التي جعلت بعض القوى السودانية تُفضل إستمرار الحرب على دعم ومساندة نجاح أي عملية سياسية لا تكون هي صاحبة المصلحة فيها.
لقد وصف النبي ﷺ هذا المرض بدقة حين قال:
«الكِبر بطر الحق وغمط الناس.»
فـ بطر الحق هو ردُّه بعد ظهوره…
وغمط الناس هو احتقارهم وحرمانهم من حقوقهم.
وقال الله تعالى:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
إنها ليست قصة فرعون وحده…
ولا قصة أبي جهل وحده…
بل سنة تتكرر كلما غلب الكبر والهوى على العدل والحق.
🛑 بأي منطق شرعي يرفضون الهدنة 🧐🤔
لايوجد أي مبرر اخلاقي..
بل إن هذا الموقف يصطدم مباشرةً بأصول الشريعة الإسلامية..
فالقرآن لم يجعل الحرب غاية…
بل جعل حقن الدماء والإصلاح بين الناس من أعظم المقاصد.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
«لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم.»
فأي سياسة تجعل استمرار الحرب أهون من قبول هدنة يمكن أن تُخفف معاناة الملايين، تحتاج إلى مراجعة شرعية وأخلاقية جادة.
🛑 والأعجب من ذلك…
أن بعض الذين يمنحون قيادة الجيش سلطةً مطلقة في تقرير مصير السودان، ينتسبون إلى ما يسمى بالتيار الإسلامي العريض.
بينما الإسلام نفسه لا يعرف الحاكم المطلق.
ولا يعرف حاكمًا يفعل بالأمة ما يشاء دون مساءلة.
بل جعل الحكم أمانة.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
وقال:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾.
وقال النبي ﷺ:
«إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها.»
🧐🫵في الإسلام…
الحاكم يُنصح…
ويُؤمر بالمعروف…
ويُنهى عن المنكر…
ويُحاسب…
لأن السلطة تكليف وليست تشريفًا.
أما تحويل الحاكم إلى سلطة لا تُسأل ولا تُراجع، فليس من الإسلام في شيء.
🛑 ثم من الذي منح أصلًا طرفي الحرب حق الانفراد بتقرير مصير السودان؟!!
بأي سند دستوري؟!!
وبأي حق قانوني؟!!
وبأي مبدأ شرعي؟!!
السودان ليس ملكًا للجيش…
وليس ملكًا للدعم السريع…
وليس غنيمةً يتقاسمها المنتصر.
السودان وطنٌ يملكه شعبه.
ومن حق الشعب وحده أن يختار كيف يُحكم، ومن يحكمه، عبر دستورٍ وقانونٍ وانتخاباتٍ حرة.
أما أن يحتكر طرفا المؤسسة العسكرية قرار الحرب وقرار السلام وقرار مستقبل البلاد، فهذا لا يجد سندًا من الشريعة، ولا من القانون، ولا من مبادئ الحكم الرشيد.
🛑 ولا يجوز كذلك تجاهل حقيقةٍ يعرفها كل منصف…
🫵فكما يوجد سودانيون يساندون قيادة الجيش…
🫵يوجد أيضًا في دارفور وأجزاء من جنوب كردفان والنيل الأزرق وغير ذلك من المناطق سودانيون يساندون قوات الدعم السريع ‼️
🫵وفي المقابل…
كذلك هناك قطاع واسع من السودانيين لا يرون أن خلاص السودان في انتصار أحد طرفي الحرب ..
🫵بل يرون أن طرفي الحرب يتحملان مسؤولية إدخال البلاد في هذا النفق المظلم، وأن المخرج الحقيقي هو وقف الحرب، وعودة المؤسسة العسكرية إلى دورها الدستوري، واستكمال عملية التحول المدني والانتقال الديمقراطي ، وإخضاع كل من يتهم بإرتكابه جرائم أو انتهاكات للمساءلة والمحاكمة وفقاً للقانون.
🛑 إن أخطر ما في المشهد السوداني اليوم ليس السلاح والحرب…
بل تلك العقيدة التي تجعل عملية السيطرة علي السلطة أغلى واعلي من المحافظة علي المصلحة الوطنية العليا للبلاد…
والتنظيم أغلى من الدولة…
والحكم أغلى من دماء السودانيين.
يموت الأطفال…
وتُقصف المدن…
ويتشرد الملايين…
وينهار الاقتصاد…
ثم يُقال للشعب:
اصبروا… فشروطنا لم تكتمل بعد ‼️
أي منطق هذا؟!!
وأي أخلاق هذه؟!!
وأي دين يرضى أن تُؤجل نجاة الملايين حتى تتحقق مكاسب الفئة الحاكمة ؟!!
سيكتب التاريخ أن السودان لم يكن ينقصه السلاح…
بل كان ينقصه رجالٌ شرفاء يضعون الوطن فوق السلطة…
والحق فوق الهوى…
والإنسان فوق التنظيم.
🫵ويبقى السؤال الذي سيظل يطارد كل من يرفض طريق السلام:
إذا كانت هناك فرصة حقيقية لوقف الحرب وإنقاذ السودان… فمن الذي جعل الوصول إليها مستحيلًا؟… ولماذا؟!!
🫵﴿وَقِفُوهُمْ ۖ ..
إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾‼️

زر الذهاب إلى الأعلى