الأعمدة

” الكرة الذهبية: رحلة عبر تاريخ أرقى جوائز كرة القدم الفردية”

#image_title
#image_title
#image_title
#image_title
#image_title
#image_title

كتب: معاوية أبوالريش
تقف جائزة “البالون دور” أو الكرة الذهبية شامخة في عالم كرة القدم كأرقى وأعرق الجوائز الفردية التي يمكن أن يحصل عليها لاعب كرة القدم في مسيرته الاحترافية. هذه الجائزة المرموقة، التي تحمل في طياتها عقوداً من التاريخ والإنجازات الكروية العظيمة، تمثل قمة الاعتراف بالتميز والإبداع في عالم الساحرة المستديرة.
أولاً، وللتوضيح، فإن الفائز بجائزة الكرة الذهبية لعام 2024 هو اللاعب الإسباني رودري هيرنانديز لاعب خط وسط فريق مانشستر سيتي الإنجليزي، بينما فاز بالأمس اللاعب الفرنسي عثمان ديمبيلي لاعب باريس سان جيرمان بجائزة 2025.
تعود جذور مصطلح “البالون دور” إلى اللغة الفرنسية، حيث تعني “Ballon d’Or” حرفياً “الكرة الذهبية”، وهو المصطلح الذي اختارته مجلة فرانس فوتبول الفرنسية عندما أطلقت هذه الجائزة لأول مرة في عام 1956. اللفظة مكونة من كلمتين: “Ballon” بمعنى كرة، و”d’Or” بمعنى ذهبية، ومنذ ذلك الحين أصبح هذا المصطلح مرادفاً للتميز والإنجاز الفردي الاستثنائي في عالم كرة القدم.
تمنح هذه الجائزة المرموقة سنوياً من قبل مجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية الشهيرة، والتي تأسست عام 1946 وتُعتبر من أهم المطبوعات الرياضية في العالم. منذ عام 2024، تتعاون مع المجلة منظمة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” في تنظيم الحفل السنوي، مع احتفاظ فرانس فوتبول بنظام التصويت واسم الجائزة. هذا التعاون أضفى مزيداً من البريق والأهمية على هذا الحدث السنوي المهم.
تستند معايير اختيار الفائز بجائزة الكرة الذهبية إلى ثلاثة محاور أساسية راسخة ومحددة بعناية. المعيار الأول يتمثل في الأداء الفردي للاعب وشخصيته الحاسمة والمؤثرة في الملعب، ويشمل ذلك الإحصائيات، الأهداف، التمريرات الحاسمة، والتأثير العام على مجريات اللعب. المعيار الثاني يركز على أداء الفريق والإنجازات الجماعية التي حققها اللاعب مع ناديه ومنتخبه الوطني، حيث يُعطى وزن كبير للألقاب والبطولات المحققة. أما المعيار الثالث فيتعلق بالسلوك الرياضي والأخلاق الحميدة واللعب النظيف، مما يعكس الجانب الإنساني والقدوة الإيجابية للاعب.
تخضع آلية الاختيار لنظام دقيق ومنظم يبدأ بإعداد قائمة مختصرة تضم 30 لاعباً من قبل هيئة تحريرية متخصصة في مجلتي فرانس فوتبول ولي كيب الفرنسيتين. بعد ذلك، تُرسل هذه القائمة إلى لجنة تحكيم دولية مؤلفة من صحفيين متخصصين، بمعدل صحفي واحد من كل دولة من أفضل 100 دولة في التصنيف العالمي لفيفا. يقوم كل صحفي باختيار أفضل عشرة لاعبين وترتيبهم حسب الأفضلية، حيث يحصل اللاعب الأول على 15 نقطة، والثاني على 12 نقطة، والثالث على 10 نقاط، وهكذا تنازلياً حتى النقطة الواحدة للمركز العاشر. يفوز باللقب اللاعب الذي يحصل على أكبر عدد من النقاط، وفي حالة التعادل، يُحسم الأمر بعدد الأصوات من المركز الأول.
وتعود فكرة إنشاء جائزة البالون دور إلى العبقري الرياضي الفرنسي غابرييل هانو، الذي وُلد في أراس شمال فرنسا عام 1889. هانو لم يكن مجرد صحفي رياضي عادي، بل كان لاعب كرة قدم سابقاً مثّل المنتخب الفرنسي في 12 مباراة بين عامي 1908 و1919، وكان قائداً للمنتخب في مباراته الأخيرة. بعد إنهاء مسيرته الكروية مبكراً بسبب إصابة في حادث طيران، انتقل هانو إلى العمل الصحفي حيث أصبح محرراً في صحيفة لي كيب الرياضية. رؤية هانو الثاقبة لم تقتصر على ابتكار جائزة الكرة الذهبية فحسب، بل امتدت لتشمل أيضاً إنشاء كأس أوروبا (التي أصبحت دوري أبطال أوروبا الحالي)، مما يجعله أحد أهم الشخصيات في تاريخ كرة القدم الأوروبية والعالمية. رغم إنجازاته الضخمة، لا يحظى هانو بالتقدير الذي يستحقه، فلا توجد ملاعب تحمل اسمه ولا تماثيل تخلد ذكراه في مسقط رأسه.
يمتد تاريخ الفائزين بالكرة الذهبية عبر مسيرة مجيدة تبدأ من الإنجليزي ستانلي ماثيوز عام 1956، الذي كان أول من حمل هذا اللقب المرموق وهو في سن الـ 41، مما جعله الأكبر سناً في تاريخ الجائزة آنذاك. عبر العقود التالية، تتابع على نيل هذا الشرف أساطير كرة القدم من أمثال ألفريدو دي ستيفانو (1957، 1959)، ريمون كوبا (1958)، عمر سيفوري (1961)، وليف ياشين (1963) الذي يبقى حارس المرمى الوحيد الذي فاز بهذه الجائزة في تاريخها العريق. في الستينات والسبعينات، هيمن نجوم مثل يوهان كرويف الهولندي (ثلاث مرات: 1971، 1973، 1974) وفرانز بيكنباور الألماني (مرتين: 1972، 1976) على المشهد.
فترة الثمانينات شهدت عصراً ذهبياً للكرة الفرنسية مع ميشيل بلاتيني الذي حقق إنجازاً فريداً بفوزه بالجائزة ثلاث سنوات متتالية (1983، 1984، 1985). فترة التسعينات جلبت تنويعاً جغرافياً مع فوز اللاعبين من خارج أوروبا لأول مرة بعد تعديل القوانين، حيث أصبح جورج ويا الليبيري أول أفريقي يحصل على الجائزة عام 1995، تبعه البرازيلي رونالدو عام 1997 ليصبح أصغر فائز في التاريخ بعمر 21 عاماً. الألفية الجديدة شهدت ظهور نجوم جدد مثل البرازيلي رونالدينيو (2005)، والإيطالي كاكا (2007)، قبل أن تبدأ هيمنة الثنائي الاستثنائي ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو.
حقق الأرجنتيني ليونيل ميسي رقماً قياسياً مذهلاً بفوزه بالجائزة ثماني مرات أعوام (2009، 2010، 2011، 2012، 2015، 2019، 2021، 2023)، بينما حصل النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو على خمس جوائز أعوام (2008، 2013، 2014، 2016، 2017). هذان العملاقان هيمنا على المشهد لأكثر من عقد من الزمن، مما جعل منافسة أي لاعب آخر تبدو شبه مستحيلة. بعد عصر ميسي ورونالدو، بدأت حقبة جديدة مع فوز الفرنسي كريم بنزيمة (2022)، تلاه ميسي مرة أخيرة (2023)، ثم الإسباني رودري (2024)، وأخيراً الفرنسي عثمان ديمبيلي (2025).
تُعتبر مسألة المحاباة في منح جائزة البالون دور موضوعاً جدلياً يثير نقاشات واسعة بين المختصين والمتابعين. النقاد يرون أن الجائزة تحولت إلى “مسابقة شعبية” تميل لصالح اللاعبين الهجوميين ونجوم الأندية الكبيرة، مع تجاهل نسبي للاعبي الخط الخلفي والدفاع. كما يُشار إلى أن اللاعبين من الدوريات الأوروبية الكبرى (الدوري الإنجليزي، الإسباني، الإيطالي، الألماني، والفرنسي) يحظون بفرص أكبر مقارنة بزملائهم في دوريات أخرى. التحيز الإعلامي وتأثير شهرة بعض الأندية والمنتخبات يلعب دوراً في تشكيل آراء الصحفيين المُصوتين. مع ذلك، يدافع مؤيدو نظام التصويت الحالي بأن الصحفيين المختصين هم الأكثر قدرة على تقييم الأداء بموضوعية، وأن المعايير المحددة تضمن عدالة نسبية في الاختيار.
التطورات الحديثة في نظام الجائزة تعكس محاولة منظميها مواكبة تطورات اللعبة وضمان عدالة أكبر. في عام 2022، غُيّرت فترة التقييم من السنة الميلادية إلى الموسم الكروي (من أغسطس إلى يوليو)، مما يوفر إطاراً زمنياً أكثر منطقية لتقييم أداء اللاعبين. كما قُلّص عدد الدول المُصوِّتة إلى أفضل 100 دولة حسب تصنيف فيفا للرجال و50 دولة للسيدات، مما يضمن جودة أعلى في التصويت. إدخال جوائز جديدة مثل جائزة كوبا للاعب الشاب الأفضل وجائزة ياشين لحارس المرمى الأفضل يعكس الرغبة في توسيع نطاق التقدير والاعتراف.
الجانب النسائي من الجائزة، المعروف بـ “البالون دور فيمينين”، أُطلق عام 2018 ليعكس الاهتمام المتزايد بكرة القدم النسائية. النرويجية آدا هيغربيرغ كانت أول فائزة، تبعتها الأمريكية ميغان رابينو (2019)، ثم الإسبانية أليكسيا بوتيلاس مرتين متتاليتين (2021، 2022)، وأخيراً أيتانا بونماتي الإسبانية أيضاً (2023، 2024). هذا التطور يُظهر نضج الرؤية في عالم كرة القدم واعترافها بأهمية اللعبة النسائية.
إن جائزة البالون دور تتجاوز كونها مجرد جائزة فردية لتصبح رمزاً للتميز والإلهام للأجيال القادمة من اللاعبين. كل فائز بهذه الجائزة يدخل نادياً خاصاً من الأساطير الذين تركوا بصمتهم على تاريخ كرة القدم، ويصبح مصدر إلهام لملايين الشباب حول العالم الذين يحلمون بلمس النجوم. من ستانلي ماثيوز الرائد إلى عثمان ديمبيلي الحديث، تستمر هذه الجائزة في كتابة فصول جديدة من قصة التميز الكروي، مؤكدة أن كرة القدم لا تقتصر على الترفيه فحسب، بل هي فن وإبداع وشغف يوحد الشعوب ويرفع من مكانة الرياضة في قلوب الملايين.

زر الذهاب إلى الأعلى