نزار عثمان السمندل
يعود غبار المصالح؛ ليرسم نفسه بشكل جديد، فوق جسد السودان الجريح.
واشنطن التي ظلت لعامين ترفع الفيتو في وجه طموحات مليشيا الدعم السريع للانقضاض على الفاشر، المدينة التي تحولت إلى رئة لدارفور ومأوى لمئات آلاف النازحين، تعود اليوم بخطاب آخر: الأولوية ليست فكّ الحصار، بل إدخال المساعدات، حتى لو جاء المرور عبر بوابة حميدتي.
في نيويورك، على هامش الجمعية العامة، أعلن المبعوث الأميركي مسعد بولس أن بلاده فتحت خطوط تواصل مباشرة مع المليشيا؛ للسماح بوصول الإغاثة إلى الفاشر. بدا التصريح صادماً لسلطات بورتسودان التي طالبت لثمانية عشر شهراً بضغط دولي لرفع الحصار، فإذا بالأميركيين يقفزون فوق الشكوى ويذهبون إلى الجهة التي تفرض الطوق.
كامل إدريس، رئيس الحكومة المكلف، ومنوباب التقيّة، رفع مناشدات في العراء، طوال الأسابيع الماضية، آخرها من داخل الأمم المتحدة ذاتها. ناشدها “التدخل فوراً” والضغط لإدخال المساعدات إلى الفاشر. لكن النداء ضاع في صخب الحرب والمصالح، ولم يُصغِ إليه أحد.
وما بدا صرخة للضمير، انقلب إلى شاهد جديد على عزلة السودان وانشغال القوى الكبرى بلعبة التوازنات. سلطة بورتسودان تفاجأت. دعاوى “المساعدات” كانت أكذوبة فلما تبنّتها أميركا، أضحت مصيبة.
الولايات المتحدة التي اعتبرت الفاشر خطاً أحمر لاعتبارات إنسانية واستراتيجية، وضعت الفيتو جانباً ومدّت يدها بمصافحة باردة لقائد المليشيا. كلّمته ببراغماتية: “المهم أن تصل المساعدات”.
الجيش الذي حمى آخر معاقله في دارفور بفضل هذا الفيتو، يجد نفسه أمام تحوّل قاسٍ: راعيه الدولي يتعامل مع خصمه على المسافة ذاتها. لم تعد واشنطن ترى في الدعم السريع مجرد ميليشيا متمردة، بل طرفاً يمكن أن يُستمع إليه.
الأسباب الخفية
المتابعون يرون أن هذا التحول لم يولد من رحم القلق الإنساني وحده. هناك أسبابٌ خفيّة. فتعنت الجيش، وارتهانه لظل الحركة الإسلامية، ورفضه لكل مبادرات الهدنة التي طرحتها الرباعية (أميركا، الإمارات، السعودية، مصر) جعل واشنطن تبحث عن بدائل.
لكن خلف المشهد، هناك ما هو أعمق: الغضب الأميركي من انفتاح بورتسودان على موسكو. فبينما كان بولس يعلن تواصله مع الدعم السريع، كانت العاصمة الروسية تحتضن الاجتماعات الفنية للجنة الوزارية المشتركة مع السودان، والتي انتهت ببروتوكولات تعاون ومؤشرات على ارتفاع التبادل التجاري بنسبة 92 في المئة.
في الأفق زيارة مرتقبة للبرهان إلى الكرملين.
المليشيا تستميت للسيطرة على الفاشر، لتدق المسمار الأخير في نعش وجود الجيش هناك. السيطرة على المدينة تعني سيطرة على الإقليم بأكمله. الجيش يحتمي بمخيمات اللاجئين، والدعم السريع تقصفها بلا هوادة. أكثر من مليون إنسان في شمال دارفور يواجهون المجاعة، والأمم المتحدة تصف الكارثة بأنها الأسوأ عالمياً.
وبولس، ببراغماتيته القاسية، يقول: “نأمل أن تصل المساعدات خلال أيام”. كأن الأمل أصبح سلعة تفاوضية، وكأن الطريق إلى الخبز يمر عبر المصافحة مع اليد التي تفرض الحصار.
حرب بلا أفضلية
يعترف المبعوث الأميركي أن أياً من الطرفين لا يملك اليوم أفضلية ميدانية، وهو ما لم يكن عليه الحال قبل أشهر. هذه المساواة في العجز قد تفتح نافذة للحوار، لكن تجارب السودان مع مؤتمرات السلام تقول إن النهايات غالباً ما تكون نسخة أخرى من البدايات: لا غالب ولا مغلوب، فقط شعب مسحوق بين فكين.
بين نيويورك وموسكو، يتوزع مصير السودان.
واشنطن تضغط باسم المساعدات، وموسكو تغازل باسم الاستثمار. الجيش يفتش عن حليف يقيه الانكسار، والمليشيا تفاوض الأميركيين بلغة القوة.
أما في الفاشر، المدينة التي تحولت إلى استعارة عن وطن ممزق، فالناس يموتون بين انتظار شاحنة طحين، وصاروخ يسقط على خيمة نزوح.
إنها الحرب… حين تتحول إلى لعبة أمم، يختصرها مشهد واحد: أميركا تتحدث مع حميدتي، بينما كامل إدريس يصرخ في الفلوات، والبرهان يستعد لشدّ الرحال إلى الكرملين.



