الأعمدة

خذوا حذركم.. ستنهار الدولة فجأة

عثمان فضل الله
قرأت مقال الدكتور محمد عبد القادر سبيل «خذوا حذركم.. ستنهار الدولة فجأة»..أقول قرأته بحذر شديد، لا لأن التحذير من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي أمر ينبغي الاستهانة به، ولا لأن المؤشرات التي استند إليها المقال كلها خاطئة، بل لأن ما يثير القلق الحقيقي في النص هو الطريقة التي جرى بها بناء التشخيص، ثم القفز منه إلى الحل.
الدكتور سبيل اقتصادي وكاتب، وصاحب قدرة على قراءة الأرقام وربط الظواهر الاقتصادية والاجتماعية بعضها ببعض، ولذلك فإن المشكلة في مقاله ليست في أنه حذّر من الخطر، وإنما في أنه عندما وصل إلى السؤال الأهم: لماذا وصل السودان إلى هذه الحالة؟ بدا كأنه يتعمد إخراج الفيل الأكبر من الغرفة .. الحرب.
الحرب ليست تفصيلاً في الأزمة الاقتصادية السودانية، وليست عاملاً من بين عوامل متساوية يمكن وضعها إلى جوار سياسة الصادر وسعر الصرف والذهب ثم اختيار أحدها بوصفه أصل المشكلة. الحرب هي البيئة التي أنتجت الانهيار المتسارع في الإنتاج والتجارة والنقل والمصارف والأسواق، وهي التي عطلت الزراعة والصناعة، ودمرت البنية التحتية، وشردت ملايين السودانيين، وقطعت سلاسل الإمداد، وأخرجت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي من دورة الإنتاج، ودفعت الدولة نفسها إلى اقتصاد حرب يستنزف الموارد ويعيد توجيه الإنفاق العام نحو القتال.
حين تقول إن الدولار يصعد، وإن الإنتاج يتراجع، وإن الدخول تتآكل، وإن الجريمة والجوع والبطالة والفساد مرشحة للتصاعد، ثم تبحث عن تفسير لهذه السلسلة كلها في أن تجار الصادر يمتلكون الدولار، فأنت لا تقدم تفسيراً كاملاً للأزمة، وإنما تختار حلقة من حلقاتها وتضعها مكان السلسلة كلها.
والأخطر من ذلك أن المقال يمنح القارئ انطباعاً بأن السودان كان دولة مستقرة اقتصادياً، وأن المشكلة الكبرى بدأت في عام 1992 عندما جرى تحرير الصادرات وتسليمها للتجار، وأن إعادة احتكار الدولة للذهب والمواشي والمحاصيل والصمغ والقطن قادرة، بصورة تكاد تكون آلية، على استعادة السيطرة على الدولار وإنقاذ الدولة من الانهيار.
هذه قراءة شديدة التبسيط لأزمة شديدة التعقيد.
يمكن للمرء أن يختلف مع سياسات التحرير الاقتصادي، ويمكنه أن يدافع عن دور أكبر للدولة في إدارة النقد الأجنبي، ويمكنه أن يرى أن تصدير الذهب خارج القنوات الرسمية يمثل مشكلة حقيقية، وأن المضاربات وسوء إدارة سوق الصرف يفاقمان التضخم. كل ذلك قابل للنقاش الاقتصادي الجاد. لكن تحويل هذه المسائل إلى «أصل المشكلة»، مع وضع الحرب في الهامش، ليس تشخيصاً للأزمة بقدر ما هو إعادة ترتيب للوقائع بما يخدم استنتاجاً مسبقاً.
السؤال الذي كان ينبغي لسبيل أن يبدأ منه ليس: لماذا يملك التجار الدولار؟
السؤال هو: لماذا انهار الاقتصاد السوداني إلى هذا الحد خلال الحرب؟
ومن ثم تأتي الأسئلة الأخرى: من دمّر الإنتاج؟ من أغلق الطرق والأسواق؟ من عطّل المؤسسات؟ من أخرج الملايين من مواقع الإنتاج؟ من دمّر المصانع والمنشآت الزراعية؟ من جعل التجارة الداخلية بين المدن والأقاليم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟ من دفع رأس المال إلى الهروب؟ من وسّع الاقتصاد الموازي؟ من جعل ملايين السودانيين يعتمدون على التحويلات الخارجية والمساعدات؟ ومن حوّل موارد الدولة نفسها إلى وقود لحرب مستمرة؟
هذه ليست أسئلة سياسية زائدة عن الحاجة، وإنما هي صلب التشخيص الاقتصادي.
إن القول إن الحرب «معركة» وإن الاقتصاد «معركة أخرى» كما فعل المقال، ثم التعامل معهما كمسارين منفصلين، يخلق وهماً خطيراً.
الحرب والاقتصاد ليسا مسارين متوازيين؛ الحرب هي التي أعادت تشكيل الاقتصاد نفسه. الاقتصاد اليوم ليس اقتصاداً طبيعياً يعاني من خلل في إدارة الصادرات، وإنما اقتصاد يعيش تحت شروط الحرب، ويتحرك داخل بيئة انهيار مؤسسي وأمني وإنتاجي ونقدي.
وهنا تحديداً يتحول المقال، من حيث أراد أو لم يرد، إلى تضليل إعلامي نربأ برجل في قامة د. سبيل أن يقع فيه.
ليس التضليل بالضرورة أن تقول معلومة كاذبة. قد يكون التضليل أحياناً أن تقول معلومات صحيحة في ذاتها، ثم ترتبها بطريقة تحجب السبب الأكثر جوهرية، وتدفع القارئ إلى نتيجة لا تكفي الوقائع المعروضة لإثباتها.
وهذا بالضبط ما فعله الدكتور بقصد أو دونما قصد أم غلبت الايدلوجيا الخبير.
يضع المقال أمام القارئ سلسلة مخيفة من السيناريوهات: عشرة آلاف للدولار، ثم عشرون ألفاً، ثم ثلاثة آلاف لجنيه الخبز، ومائة وخمسون ألفاً لكيلو اللحم، وانهيار الدخول، وتصاعد الجريمة، والجوع، والفساد، والبطالة، ثم انهيار الدولة والفوضى الاجتماعية. ثم في نهاية هذا المشهد الكارثي يقدم العلاج: احتكار الدولة لتصدير الذهب والمحاصيل والثروة الحيوانية والصمغ والقطن، وبالتالي امتلاك الدولار.
هنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد اختلاف في الرأي الاقتصادي.
لأن السؤال البديهي هو: هل يستطيع احتكار الصادرات أن يوقف حرباً؟
هل يعيد المزارع المهجّر إلى حقله؟
هل يعيد المصانع التي دمرتها الحرب إلى الإنتاج؟
هل يعيد الطرق والجسور والأسواق التي خرجت من الخدمة؟
هل يعيد المصارف إلى العمل الطبيعي؟
هل يعيد ملايين النازحين إلى مناطقهم؟
هل يوقف الإنفاق العسكري؟
هل ينهي الاقتصاد الموازي الذي تنشئه الحرب؟
هل يعيد الثقة إلى النظام المصرفي؟
هل يوقف انهيار الخدمات؟
وهل يجعل رأس المال الذي هرب من البلاد يعود لمجرد أن الدولة أصبحت المحتكر الوحيد لتصدير الذهب؟
بالطبع لا.
قد يكون احتكار بعض الصادرات أو تنظيمها بصورة صارمة أحد الخيارات التي تستحق الدراسة في ظرف اقتصادي معين، لكنه ليس «المفتاح» الذي يمكن أن يفسر الأزمة كلها أو يعالجها كلها. والأغرب أن المقال نفسه يقول إن الحل «واضح كالشمس»، بينما الاقتصاد لا يعمل بهذه البساطة، خصوصاً في بلد يعيش حرباً مفتوحة وانقساماً في السلطة والسيطرة والمؤسسات والأسواق.
ثم إن استعادة احتكار الدولة للصادرات ليست قراراً فنياً منفصلاً عن طبيعة الدولة نفسها. أي دولة هي المقصودة هنا؟ دولة تملك سيطرة موحدة على الأراضي والحدود والموانئ والأسواق؟ أم دولة منقسمة فيها مناطق نفوذ وسلطات متعددة، وتتحرك الموارد عبر قنوات رسمية وغير رسمية؟ إذا كانت الدولة عاجزة عن فرض سلطتها الاقتصادية والأمنية بصورة موحدة، فكيف يصبح مجرد إصدار قرار باحتكار الصادرات حلاً؟
المقال ينتقل من «الدولة يجب أن تحتكر» إلى «إذن الدولار سيكون بيد الحكومة»، وكأن الدولار موجود في خزائن التجار ويمكن ببساطة نقله إلى الخزينة العامة بقرار إداري.
هذه ليست اقتصاديات حرب، وإنما اقتصاد افتراضي يفترض وجود دولة مستقرة تستطيع تطبيق قراراتها على اقتصاد مستقر.
والأخطر أن المقال ينتهي إلى مخاطبة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائلاً له إن زمام المبادرة ما يزال بيده، وإن عليه أن «يحسم حرب الاقتصاد» فوراً، وإلا اضطر العام المقبل إلى ترك ميادين القتال بسبب طوفان الفوضى.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها.
فالرجل الذي حذّر من انهيار الدولة بسبب الاقتصاد ينتهي إلى مخاطبة السلطة التي تدير الحرب، مطالباً إياها بإدارة الاقتصاد عبر مزيد من السيطرة المركزية على الصادرات، بينما يغيب السؤال السياسي الأكبر: متى تنتهي الحرب التي تنتج هذا الانهيار؟
إذا كانت الحرب هي أحد أهم محركات الانهيار الاقتصادي، فإن الطريق الأكثر مباشرة إلى إنقاذ الاقتصاد ليس البحث عن طريقة لإطالة قدرة الدولة على تمويل الحرب، وإنما إيقاف الحرب، وفتح الطرق والأسواق، واستعادة الإنتاج، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة النظام المصرفي، وخلق بيئة تسمح للزراعة والصناعة والتجارة بالعمل، ثم بناء سياسة نقدية ومالية وتجارية قابلة للحياة.
أما أن يقال للسودانيين إن الخطر الحقيقي هو تجار الصادر، بينما الحرب التي أكلت الدولة والمجتمع والاقتصاد تُذكر كأنها مجرد خلفية للمشهد، فذلك يقلب ترتيب الأسباب والنتائج.
حتى استخدام لغة «حرب الاقتصاد» يحتاج إلى قدر من الحذر. لأن الاقتصاد السوداني لم يدخل الحرب بعد الخامس عشر من أبريل بوصفه طرفاً مستقلاً؛ بل الحرب اقتحمت الاقتصاد وأعادت تشكيله. ومن ثم فإن محاولة فصل «حرب الاقتصاد» عن الحرب المسلحة تشبه محاولة تفسير الحريق من خلال أسعار الحطب مع تجاهل النار.
لا أحد يطلب من الدكتور سبيل أن يدافع عن التجار، ولا أحد يقول إن سياسة الصادر الحالية سليمة، ولا أن سوق الذهب يعمل بصورة مثالية، ولا أن الدولة لا تحتاج إلى إصلاح عميق لسياستها النقدية والمالية. بل العكس، كل هذه الملفات تستحق نقاشاً جدياً.
لكن الاقتصادي حين يشخص أزمة بهذا الحجم عليه أن يميز بين السبب الجذري والعوامل المفاقمة والنتائج.
الحرب سبب جذري ومفاقم في الوقت نفسه.
انهيار الإنتاج نتيجة.
شح النقد الأجنبي نتيجة وعامل مفاقم.
تدهور سعر الصرف نتيجة وعامل مفاقم.
التضخم نتيجة.
انكماش الطلب نتيجة.
ارتفاع البطالة والجوع والجريمة نتائج محتملة للانهيار.
أما وضع أحد مكونات الأزمة، مثل إدارة الصادرات، في موضع «أصل المشكلة»، ثم بناء سيناريو الانهيار كله عليه، فهو تشخيص لا يرقى إلى مستوى الخطر الذي يحذر منه صاحبه.
الأكثر إزعاجاً أن المقال يحمل في عنوانه نبرة إنذار استثنائية: «ستنهار الدولة فجأة». لكن الدولة السودانية لا تنهار فجأة بالمعنى الذي يوحي به العنوان. الدولة تنزلق، تتآكل مؤسساتها، تتشقق قدرتها على تقديم الخدمات، تفقد السيطرة على أجزاء من اقتصادها وأراضيها، وتتراجع شرعيتها وقدرتها المالية، ثم قد تصل إلى لحظة يظهر فيها الانهيار كأنه حدث فجائي، بينما تكون مقدماته قد تراكمت سنوات.
والسودان، في الحقيقة، ليس بحاجة إلى تخويف إضافي من سيناريو «أن يأكل الناس بعضهم بعضاً». السودانيون يعيشون بالفعل واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في العالم. ملايين فقدوا بيوتهم وأعمالهم وأقاربهم ومصادر رزقهم. الأسواق تعطلت، والمجتمعات تمزقت، ومناطق واسعة تعيش على المساعدات والتحويلات. لذلك فإن تحويل هذا الألم إلى نبوءة عن مستقبل مجهول، ثم تقديم وصفة اقتصادية أحادية باعتبارها طوق النجاة، لا يساعد الناس على فهم الكارثة بقدر ما يزيد ضبابها.
كان المنتظر من كاتب واقتصادي في قامة محمد عبد القادر سبيل أن يفعل العكس تماماً: أن يضع الحرب في مركز المعادلة، ثم يشرح كيف أدت الحرب إلى انهيار الإنتاج والنقد الأجنبي والمالية العامة والنظام المصرفي، ثم يناقش دور تجار الصادر والذهب والسياسة النقدية والاقتصاد الموازي باعتبارها عوامل تضاعف الأزمة، لا باعتبارها بديلاً عن تفسيرها.
التحذير من انهيار الدولة مطلوب.
لكن التحذير يصبح خطيراً حين يحذف من الصورة السبب الذي ينبغي أن يقود إلى العلاج.
والسودان لا يحتاج اليوم إلى أن نبحث له عن كبش فداء اقتصادي جديد، ولا إلى أن نقنعه بأن احتكار الصادرات وحده سيمنع سقوط الدولة. السودان يحتاج أولاً إلى الاعتراف بأن الحرب هي قلب الأزمة، وأن الاقتصاد أحد ميادينها وضحاياها في آن واحد.
ومن هنا، فإن أقسى ما يمكن أن يقال في مقال سبيل ليس أنه أخطأ في كل ما قال، وإنما أنه قال بعض الأشياء الصحيحة ثم وضعها في إطار قد يقود إلى النتيجة الخطأ.
وهذا أخطر.
لأن المعلومة الصحيحة حين توضع في التشخيص الخطأ يمكن أن تصبح أداة تضليل أكثر تأثيراً من المعلومة الكاذبة.
كان ينبغي لرجل بهذه الخبرة أن يقول للسودانيين بوضوح: نعم، هناك خطر اقتصادي حقيقي، نعم، هناك خلل في إدارة النقد الأجنبي والصادرات، نعم، هناك تجار ومضاربون يستفيدون من الفوضى، لكن قبل كل ذلك هناك حرب تلتهم الدولة والاقتصاد والمجتمع، ولا يمكن إنقاذ الاقتصاد السوداني بينما تستمر ماكينة الحرب في ابتلاع موارده وإنتاجه ومؤسساته.
أما أن نطلب من الدولة أن تحسم «حرب الاقتصاد» ونترك الحرب التي صنعت الاقتصاد المنهار قائمة، فذلك ليس حلاً للأزمة.
إنه فقط تغيير لاسم المشكلة.
(والله هو هادي السبيل)

زر الذهاب إلى الأعلى