الأعمدة

“العدالة المسيَّسة: حكم الإعدام على المحامي أبوبكر منصور ومحاكمة القانون نفسه”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في سابقة تهدد أركان العدالة وتنذر بانهيار منظومة القضاء المستقل في السودان، أصدرت محكمة جنايات سنجة حكمًا بإعدام المحامي أبوبكر منصور شنقًا حتى الموت، في قضية تكشف عن التوظيف السياسي الفج للقضاء وتحويل المحاكم إلى أدوات للتصفية السياسية. هذا الحكم، الذي جاء بعد حكم سابق بالسجن المؤبد، لا يمثل فقط انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، بل يشكل إعلانًا صريحًا عن موت الفصل بين السلطات واستقلال القضاء في بلد يعاني أصلًا من حرب أهلية طاحنة.
التكييف القانوني المعيب: قراءة في المادتين 50 و51
وُجهت للمحامي منصور تهم بموجب المادتين (50) و(51) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، وهما مادتان تتسمان بالشمولية والمطاطية التي تسمح بتوظيفهما سياسيًا.
المادة (50) – تقويض النظام الدستوري:
تنص المادة (50) على أنه: “من يرتكب أي فعل بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد أو بقصد تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله”.
المادة (51) – إثارة الحرب ضد الدولة:
تنص المادة (51) على أنه: “يعد مرتكبًا جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ويعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله من:
(أ) يثير الحرب ضد الدولة عسكريًا بجمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح أو العتاد أو يشرع في ذلك أو يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه، أو
(ب) يعمل بالخدمة العسكرية أو المدنية لأي دولة في حالة حرب مع السودان أو يباشر معها أو مع وكلائها أي أعمال تجارية أو معاملات أخرى، أو
(ج) يقوم في داخل السودان، دون إذن من الدولة، بجمع الجند وتجهيزهم لغزو دولة أجنبية أو يقوم بعمل عدائي ضد دولة أجنبية يكون من شأنه أن يعرض البلاد لخطر الحرب، أو
(د) يخرب أو يتلف أو يعطل أي أسلحة أو مؤن أو مهمات أو سفن أو طائرات أو وسائل نقل أو اتصال أو مبان عامة أو أدوات للمرافق العامة كالكهرباء أو الماء أو غيرها بقصد الإضرار بمركز البلاد الحربي”.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: أي فعل مادي ملموس ارتكبه المحامي أبوبكر منصور يندرج تحت هاتين المادتين؟ هل جمع أفرادًا أو درّبهم كما تنص الفقرة (أ) من المادة (51)؟ هل حاز سلاحًا أو عتادًا؟ هل قاد عملية عسكرية أو حرّض عليها؟ هل عمل بالخدمة العسكرية لدولة معادية كما تنص الفقرة (ب)؟ هل جمع الجند وجهزهم كما تشير الفقرة (ج)؟ هل خرّب أو عطّل منشآت عامة كما تذكر الفقرة (د)؟ الإجابة الواضحة والقاطعة على كل هذه الأسئلة هي: لا.
لم يثبت في أوراق القضية أي فعل مادي يستوجب هذا التكييف الجنائي الثقيل. فالاتهام الموجه إليه هو “التعاون مع قوات الدعم السريع”، وهو اتهام فضفاض لا يرقى إلى مستوى الأفعال المحددة والصريحة التي نصت عليها المادتان بفقراتهما المختلفة.
إن المادة (51) على وجه التحديد تشترط أفعالًا عسكرية واضحة ومحددة: جمع الجند، تدريب الأفراد، جمع السلاح والعتاد، تجهيزهم للغزو، تخريب المنشآت العامة، العمل بالخدمة العسكرية لدولة معادية. وليس في أي من هذه الأفعال ما يمكن إسناده للمتهم الذي يمارس مهنة المحاماة، وهي مهنة مدنية بحتة تقوم على الدفاع عن الحقوق والحريات. أما المادة (50) فتتطلب قصدًا جنائيًا خاصًا هو “تقويض النظام الدستوري” أو “تعريض استقلال البلاد أو وحدتها للخطر”، وهو قصد يستحيل إثباته دون أدلة دامغة على سعي المتهم لقلب نظام الحكم أو تمزيق وحدة البلاد.
التعسف في إيقاع العقوبة: اختيار الموت رغم وجود البدائل
من الملاحظ أن المشرّع الذي أجرى التعديلات على القانون الجنائي السوداني استخدم في صياغة المادتين (50) و(51) حرف العطف “أو” بين العقوبات المقررة، حيث نصت كل منهما على: “يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن لمدة أقل”. وهذا الحرف “أو” في اللغة القانونية يفيد التخيير لا الترتيب، أي أنه يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في اختيار العقوبة المناسبة بحسب ملابسات كل دعوى وظروفها، ووفقًا لخطورة الفعل المرتكب، ومدى جسامة الضرر الناتج عنه، وسوابق المتهم إن وجدت، ودرجة خطورته على المجتمع.
هذه السلطة التقديرية التي منحها المشرّع للقاضي تهدف إلى تحقيق العدالة الفردية، بحيث تتناسب العقوبة مع الجريمة والمجرم معًا، وليس مع الجريمة فقط. فليس كل من ينطبق عليه وصف جريمة معينة يستحق ذات العقوبة؛ بل يجب على القاضي أن يزن الظروف والملابسات، وأن يختار من بين العقوبات المتاحة ما يحقق العدالة ويردع الجاني دون إفراط أو تفريط.
لكن محكمة جنايات سنجة، في قرارها المثير للدهشة والاستنكار، اختارت العقوبة الأشد والأقسى من بين العقوبات الثلاث المتاحة، وهي عقوبة الإعدام شنقًا حتى الموت، متجاهلة تمامًا العقوبتين الأخريين: السجن المؤبد والسجن لمدة أقل. هذا الاختيار المتطرف للعقوبة القصوى، رغم عدم ثبوت أي من الأركان المادية للجريمة بشكل قاطع، ورغم غياب أي دليل على ارتكاب المتهم لأفعال عسكرية مباشرة كتلك المنصوص عليها في المادة (51)، يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الهدف من هذا الحكم ليس تحقيق العدالة، بل تصفية الحسابات السياسية وإرهاب الخصوم السياسيين.
فلو كانت المحكمة تسعى فعلًا لتطبيق القانون بموضوعية وحياد، لاختارت العقوبة الأخف أو الوسطى على الأقل، خاصة في ظل غياب الأدلة القاطعة على ارتكاب الأفعال المادية المنصوص عليها صراحة في القانون. لكن اختيار عقوبة الإعدام في هذه القضية يكشف عن نية مبيتة لإرسال رسالة إرهابية إلى كل من يفكر في معارضة النظام الحاكم أو التعبير عن رأي مخالف. إنها رسالة دموية تقول: “من يخالفنا مصيره الموت”، وهي رسالة تتنافى كليًا مع أبسط مبادئ العدالة والقانون.
إن التعسف في استخدام السلطة التقديرية لا يقل خطورة عن التعسف في تطبيق القانون نفسه. فعندما يختار القاضي العقوبة الأشد دون مبرر موضوعي، فإنه يحوّل العدالة إلى انتقام، والقانون إلى أداة بطش. وهذا بالضبط ما حدث في هذه القضية المأساوية.
التعديلات التشريعية: سلاح سياسي بثوب قانوني
لفهم السياق الكامل لهذه المحاكمة، لا بد من العودة إلى التعديلات الأخيرة التي أُجريت على القانون الجنائي السوداني بموجب قانون التعديلات المتنوعة لسنة 2020م، والتي وقعها الفريق عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة في 28 شعبان 1441 هجرية الموافق 22 أبريل 2020م. هذه التعديلات لم تكن بمنأى عن الأهداف السياسية؛ فقد جاءت في سياق صراع محتدم بين المكون العسكري والمكون المدني في الفترة الانتقالية، ولم تكن تهدف إلى تطوير المنظومة القانونية أو تحقيق العدالة، بل كانت تستهدف تصفية الخصوم السياسيين وتحديدًا أحزاب تحالف “صمود” الذي يقوده رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الله حمدوك، وكذلك حزب المؤتمر السوداني الذي ينتمي إليه المتهم.
إن توقيت هذه التعديلات وصياغتها الواسعة تكشف عن النية المبيتة في توظيفها كأداة قمع سياسي. فبدلًا من أن تكون النصوص الجنائية محددة ودقيقة، جاءت مطاطة تسمح بإدخال أي معارض سياسي تحت طائلتها. وهذا ما حدث بالفعل مع المحامي أبوبكر منصور، الذي يُعرف بانتمائه لحزب المؤتمر السوداني، أحد الأحزاب المعارضة للحكم العسكري والمناهضة لفلول النظام البائد وقيادات حزب المؤتمر الوطني المحلول.
والأدهى من ذلك أن محامي الدفاع أبوبكر الماحي، الذي ينتمي لنفس الحزب، تم اعتقاله من قبل السلطات الأمنية قبل جلسة النطق بالحكم مباشرة. هذا الاعتقال ليس مجرد صدفة، بل هو رسالة واضحة: أن هذه المحاكمة لم تكن تستهدف فردًا بعينه، بل تستهدف تيارًا سياسيًا بأكمله. إنها محاولة لبث الرعب في صفوف المعارضة وإسكات الأصوات المطالبة بالحكم المدني والديمقراطية.
انتهاك الضمانات الدستورية والدولية
تمثل هذه المحاكمة انتهاكًا صارخًا لمبادئ المحاكمة العادلة المكفولة في الدستور السوداني والمواثيق الدولية التي صادق عليها السودان، وأبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فحق الدفاع، الذي يُعد من أقدس الحقوق الإجرائية، قد انتُهك بشكل فاضح عندما تم اعتقال أحد محامي الدفاع قبيل جلسة الحكم، مما حرم المتهم من فرصة الدفاع الكامل عن نفسه.
كما أن الحكم بالإعدام شنقًا حتى الموت في قضية لم تثبت فيها الأركان المادية للجريمة المنسوبة يمثل خرقًا لمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. فعقوبة الإعدام، وهي أقصى العقوبات وأكثرها قسوة، لا يجوز فرضها إلا في الجرائم الأشد خطورة، وبعد محاكمة عادلة تتوافر فيها كل الضمانات القانونية. أما أن تُفرض في قضية ذات دوافع سياسية واضحة، ودون إثبات يقيني للأفعال المادية المنسوبة، فهذا يحول العقوبة إلى أداة انتقام سياسي لا إلى تطبيق للعدالة.
علاوة على ذلك، فإن الحكم يخالف قرار محكمة الاستئناف السابق، مما يعني أن محكمة الجنايات تجاوزت حدود صلاحياتها وخرقت مبدأ التقاضي على درجات، وهو مبدأ أساسي في أي نظام قضائي يحترم نفسه. إن تجاهل قرارات محاكم الاستئناف يفتح الباب على مصراعيه للفوضى القضائية ويهدم الثقة في المنظومة القانونية برمتها.
المحاكمة السياسية: عندما يصبح القضاء أداة قمع
ما حدث في محكمة جنايات سنجة ليس مجرد خطأ قضائي أو سوء تقدير؛ إنه محاكمة سياسية بامتياز، أُريد بها ضرب المعارضة السياسية وترويع المجتمع المدني. فالمتهم لم يُحاكَم على أفعال ارتكبها، بل حُوكم على انتمائه السياسي ومواقفه الفكرية. والدليل على ذلك أن التهم الموجهة إليه فضفاضة وغير محددة، وأن الأدلة المقدمة ضده لا ترقى إلى مستوى الإثبات الجنائي المطلوب في قضايا الإعدام، وأن المحكمة اختارت العقوبة الأشد رغم وجود بدائل أخرى أقل قسوة كان يمكن اللجوء إليها.
إن استخدام القضاء كأداة للتصفية السياسية ليس جديدًا في تاريخ السودان. فنظام الإنقاذ البائد، الذي حكم البلاد ثلاثة عقود، كان بارعًا في توظيف القانون والقضاء لقمع المعارضين وإسكات الأصوات الحرة. واليوم، يبدو أن فلول ذلك النظام، بالتحالف مع المكون العسكري المسنود بقيادات حزب المؤتمر الوطني المحلول، يعيدون إنتاج نفس الأساليب القمعية، مستخدمين نفس الأدوات القانونية التي كانت تُستخدم في عهد الإنقاذ.
إن محاكمة المحامي أبوبكر منصور هي رسالة واضحة إلى كل من يفكر في معارضة الحكم العسكري أو المطالبة بالعدالة والحرية: أن مصيركم سيكون كمصير هذا المحامي. إنها محاولة لبث الرعب والخوف في نفوس الناس، وإجبارهم على الصمت والخنوع. لكن التاريخ يعلمنا أن القمع لا يولد إلا مزيدًا من المقاومة، وأن العدالة المؤجلة ستبقى مطلبًا حتى تتحقق.
الخلاصة: نداء إلى الضمير الإنساني والقانوني
إن حكم الإعدام الصادر بحق المحامي أبوبكر منصور لا يمثل فقط ظلمًا فرديًا يلحق بمحام شريف وعضو في المجتمع المدني، بل يمثل تهديدًا لمستقبل القضاء والعدالة في السودان بأسره. إنه يضع البلاد على مفترق طرق: إما أن تستمر في الانزلاق نحو الدولة البوليسية التي تستخدم القانون كسلاح سياسي، أو أن تستيقظ وتدرك أن العدالة الحقيقية لا تتحقق إلا باستقلال القضاء واحترام الحقوق والحريات.
ننادي كل أصحاب الضمير الحي من قضاة ومحامين وحقوقيين ومثقفين، داخل السودان وخارجه، إلى رفض هذا الحكم الجائر والوقوف ضد استخدام القضاء كأداة للقمع السياسي. كما ننادي المنظمات الدولية الحقوقية والأمم المتحدة إلى التدخل العاجل لإيقاف تنفيذ حكم الإعدام والضغط على السلطات السودانية لضمان محاكمة عادلة ومستقلة.
إن القانون الذي يُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين ليس قانونًا، بل هو طغيان يرتدي ثوب الشرعية. والقضاء الذي يتحول إلى أداة قمع ليس قضاءً، بل هو سلطة تنفيذية تخفي وجهها خلف شعارات العدالة. ومن واجب كل حر أن يقف في وجه هذا الظلم ويقول بصوت عالٍ: لا للعدالة المسيَّسة، نعم لاستقلال القضاء، نعم للحرية والكرامة الإنسانية.
إن المحامي أبوبكر منصور بريء من التهم الموجهة إليه، وحكم الإعدام الصادر بحقه باطل ومعيب قانونًا وأخلاقيًا. وإن استمرار السلطات في التعامل مع المعارضين السياسيين بهذه الطريقة الوحشية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والعنف، ولن يحقق السلام أو الاستقرار الذي ينشده الشعب السوداني. فالعدالة الحقيقية هي أساس السلام، والظلم لا يولد إلا ظلمًا.

زر الذهاب إلى الأعلى