الأعمدة

ماذا عنت إدانة كوشيب بالنسبة لنا كمواطنين سودانيين؟

كوشيب وماذا بعد؟
علي الكبير
البعض حسبما لاحظت عنت لهم بكل بساطة المزيد من الإنكشاف والتهديد المباشر لمصائرهم. وبعض آخر رأى فيه إنتقاصا من السيادة الوطنية، وهؤلاء مطلوب منهم تعريف وإثبات هذه السيادة من الأساس سيما بعد قراءة منشورى هذا. وهناك أيضا من إستفزه قبليا وهؤلاء لا ينظرون إلا من منظور العشيرة التي تعلو عندهم على الدين والأخلاق. وفئة أخرى رأت أنها عدالة وتذكرة قوية ومحزنة لضحايا الجرائم البشعة الذين إنتظروها طويلا. وعدم إدانة كوشيب إنما يعنى محض إفلات من العدالة، وهؤلاء أنا منهم. إجمالا كانت إدانة كوشيب إختبارا حقيقيا للضمير الإنسانى ومكنوناته وطنيا كان أم أجنبيا فإما أن نقبلها دون تسويف أو تبرير أو الإختباء خلف مسوغات لم تتوفر موجباتها على أرض الواقع وإما أن يستوى فينا معايير مقولة أن المساواة في الظلم عدل.
طالت محاكمة كوشيب شأن محاكمات الجنائية ولكنها عندما تحققت أسمعت اللهم إلا من كانت في آذانهم وقرا. ومن العجيب أنها أتت في توقيت أصبح فيه الكثر ممن كانوا يرجون منها إنصافا لضحاياهم في فسطاط ذات الجلاد ويحاربون معه كتفا بكتف.!؟ وثمة مفارقة أخرى ليست أقل عجبا مفادها أن جنجويدية كوشيب كانت مشروعا كيزانيا بإمتياز بينما جنجويدية الدعم اليوم فهى تقاتل ضد الكيزان. فكأن الجنجويد هم مدانون بمقتضى الحقبتين وكأنى بالكيزان هم الفائزون حتى اليوم.
تفرست في وجه المسخ كوشيب وحاولت إستقراء لغته الجسدية عند تلاوة الحكم عليه لعلى أعرف شيئا مما يجول في خاطره عندها ولكنى فشلت. بدا وجهه حديديا باردا برودة أعصاب السادى الذى يعذب ويذبح ويحرق الحرث والنسل لا فرق عنده بين امرأة أو رجل أو طفل أو عجوز. لا بل فهو قد غور الآبار وعقر الأشجار والبهائم. وبالطبع فما كان بمقدور أحد أن يدرك تعبيراته الشعورية، وأنى لمنزوع الضمير أن يشعر؟ ومع ذلك فأنا على يقين بأن كوشيب وأشباهه من ذات الفصيلة وكذلك قطاعا عريضا من السودانيين قد لاحظوا وأستنتجوا الكثير: التجسيد الحقيقى للعدالة وعدم الإفلات. قيمية الإنسان وحرمة دمه في سلم أولويات مجتمعات الآخر وبصرف النظر عن معتقداتهم. الفوارق الحضارية بيننا وبين تلك المجتمعات. المرأة كشريكة في صناعة النهضة والتطور شأنها شأن الرجل وليس أدل على ذلك من أن في رأس من حاكموا كوشيب قاضيتان.
كنت بإنتظار إدانة كوشيب لأكثر من سبب:
فهو أمر بالضرورة سوف يعيد للذاكرة سرديات موغلة في البشاعة كم تمنى وعمل المجرمون من أجل محوها من الذاكرة الإنسانية وعفى الله عما سلف. وهو أيضا وبالضرورة سوف يسلط الضوء وبقوة على مردة السفاحين الذين ما يزالون تحت حماية الجيش الكيزانى. والذى بدوره يؤشرعلى مدى إرتباط المجرمين السابقين بالحاليين الذين ما يزالون يتمسكون بدفة السلطة ويدعون حماية وطن يتمزق ويندك.
إن الحبل الذى إلتف على رقبة كوشيب لن يلبث حتى يلتف أيضا على رقاب كل من البشير وأحمد هرون ونافع وعبدالرحيم محمد حسين وآخرين. لا بل فهو بالضرورة إدانة حتى للبرهان نفسه الذى ما يزال يضعهم تحت حمايته وفى كنفه. إجمالا، فقد رغبت في معرفة إتجاهات السليقة الشعبية من هذا الحدث وبما أن كوشيب ما نزل من السماء وإنما نبت من بينهم وما يزالون ينتجون الكثيرين من أمثاله.
وهو أيضا قد ألقى حجرا ثقيلا في مجتمع المكون القبلى الذى ينتمى إليه كوشيب. فقد لاحظت أن هناك إرباكا في هذا المعسكر أيضا تراوح بين القبول والتجاهل والرفض ولهؤلاء الأخيرين أقول:
كوشيب عندما إرتكب جرائمه كان بالإستناد إلى مرجعيته الإخوانية الإرهابية ولأجل مشروع ما كان ليقوم إلا في إطار منهجية إحلال وإبدال لمكونات برمتها. وأن الكيزان هم أول من سوف يتبرأون منه بعد أن تمت إدانته. إن كوشيب بالنسبة لهم اليوم ليس بأكثر من قفاذ قذر إستخدموه في أعمال قذرة وقد حان أوان إلقائه في سلة القذارة. فقد حوت صحيفة الرجل الإتهامية على ما يربو على ال 30 تهمة جميعها متعلقة بالقتل والتعذيب والإرتكابات الجنائية في حق الإنسان. ليس هناك من يمتلك ذرة من عقل أو حكمة سوف يتعاطف اليوم مع هذا المسخ عوض الضحايا. فلا يدافع عن مجرم بهذا الوصف إلا إذا كان هو نفسه مجرما آثم قلبه. وأنه لو جاز رفض إدانة كوشيب فإنه بالتالى يجوز رفض إدانة هتلر وجان كامباندا وغبلز وميلوسيفيتش والبشير وأشباههم من السفاحين الظلمة. لا بل يجوز حتى منحهم الأوسمة. فإما أن نرتقى إلى مستوى المجتمعات الإنسانية التي كرمها الله بالعقل وإما أن يكون قانوننا “المساواة في الظلم عدل” فيقتل بعضنا بعضا بحق وباطل.
لست قانونيا ولكنى أؤمن بأن القانون مطاط يشكله الأقوياء كما يشاؤون ونظام المحكمة الجنائية أكثر تعقيدا وتخصيصا وكل هذا إستقيته من الواقع ومفارقات المحاكم الدولية التي تثير الكثير من اللغط سيما فيما خص سيادة الدول، وهو الحائط الذى عادة ما يحتمى خلفه مردة المجرمين وأعوانهم. ولهذا فلن أتهافت بالخوض في مجالاته ويكفينى فقط في هذه السانحة أن أقول لقانونينا المحليين: أنهم مهما إطلعوا على إجراءات الجنائية الدولية فهى تظل أداة تستمد قوتها من قوى كبرى ومؤثرة بإمكانها تطوير صلاحياتها متما شاءت بحسب الظروف والمتغيرات. وأنها،، وهذا هو الأخطر أداة يمكن أن تكون سببا فى مخاطر كبرى تكون بدورها خصما على السيادة الوطنية عن طريق التدخلات المباشرة. المحاكم الوطنية المحلية تحاكم الأفراد عن الجرائم بموجب القوانين الوطنية وتعمل تحت سلطة الحكومة الوطنية وتتبع قوانينها. ولكن السؤال هو: ما هي مواصفات تلك الدولة التي تستجيب لتلك المعايير والإجراءات؟ وهل كياننا الذى نعيش فيه راهنا يمكن إعتباره دولة معيارية بإمكانها أن تحاكم مجرمى الحركة الإسلامية مثل البشير وكرتى وتنصف مظلوميهم؟ هل نحن اليوم شعبا واحدا أم شعوبا تتقاسم جغرافيا سياسية يفرض فيها البعض قوانينهم الخاصة كقانون (الوجوه الغريبة مثلا؟) وماذا بشأن حرمان أقسام من السودانيين من التعليم والغذاء والعملة والأوراق الثبوتية؟ ما مفهوم السيادة والعدالة وكيف يتسنى لنا ممارسة سلطات الدولة في هكذا أحوال؟ لا أعرف مواقف الآخرين من هذه المسألة ولكن بالنسبة لى فبالتأكيد “لا” فالبشير في دولتنا – ولنسميها دولة مجازا- ليس فردا والقوانين الوطنية عاجزة عن أن تطاله. إنها قوانين السلطة المتغلبة تطبقها كيفما شاءت، تدين البرىء وتفلت المجرم وأحيانا تكافئه. قوانيننا الوطنية هي تحت تصرف الأجهزة الأمنية والإرهابية التي بإمكانها أن تعطلها في أي وقت فتنشىء بيوت الأشباح مثلا أو تصفى حتى عملاءهم خارج إطار القانون حرصا على عدم إفشاء أسرار العصابة المتسلطة. (حادثة إستهداف الرئيس حسنى مبارك). قوانيننا الوطنية عاجزة تماما عن أن تكون أداة محايدة للإنصاف وبالتالي فلا موجب للمقارنة بينها وبين المحاكم الدولية. قصارى القول،، أن قوانيننا هي قوانين مجتمعات ما قبل الدولة وبالتالي فلا يصح مقارنتها بقوانين مؤسسات العدالة الكبرى اللهم إلا ثبتت أنها فاعلة في كيان سياسى معاصر وتستمد قوتها من مجتمع معافى ودستور محترم. لذا علينا أولا إيجاد الدولة وإحترامها. الدولة التي تحتكر العنف وترسى قواعد العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات لا فرق في ذلك بين رئيس أو غفير. وقد يغضب هذا البعض ولكنه رأى على كل حال.
المجرمون ليسوا دائما أغبياء إن لم يكونوا أكثر ذكاءا وخبثا منا. فالبشير مثلا ليس بالضرورة أن يحمل كلاشه بنفسه ويذهب لإرتكاب جرائم في دارفور أو كردفان. يكفى أن تكون له أيد وأدوات كعلى كوشيب تنوب عنه في كل ما يريده خيرا كان أم شرا. ثم ينتشى فيرقص على قبور الضحايا. بحسب نظام روما فإنه ينبغي في المقام الأول أن تنظر المحاكم الوطنية في الإنتهاكات الجسيمة وأما المحكمة الجنائية فتعد مكملة لتلك الإختصاصات القضائية. ولكن تصور فكرة أن تؤول الولاية لمحاكم نظام يسخر بعض مسئوليه من الشعب مرددين مقولات من قبيل: “أمسح أكسح قشو ما تجيبو حى، ما تسووا لينا عبىء إدارى؟) (الرصاصة أغلى منه ما تخسروه في زول؟) وهذا غيض من فيض الإستكبار الإخوانى؟ نظام خوزق الأستاذ محمد خير لمجرد رأى، ودق المسامير في الرؤوس وكان أول من أوجد وظيفة مغتصب وصفد أيدى الأبرياء الأحرار بالأثقال ثم قذف بهم في النيل. هذا فضلا عن إباداته فى كردفان ودارفور والنيل الأزرق والجنوب وهاهو برغم كل هذا يواصل بإستخدام أعتى وسائل الإبادة الشاملة. كيف يجوز تصور أن هناك عدالة يمكن أن تقوم في غابة كهذه؟؟؟!!! وإستطرادا،، ألا يزعم البرهان وكيزانه الذين صدعوا رؤوسنا بأن المليشيا هي التي تمردت؟ أليس من مصلحتهم كشف هذه الحقيقة للشعب وتبرئة أنفسهم من تهمة إشعال الحرب لقطع الطريق على الاتفاق الإطارى؟ ما مبرر خوفهم من العدالة دولية كانت أم محلية طالما أنها سوف تدين أخصامهم وتجرمهم؟ إن من أراد الحقيقة وهو مؤمن بسلامة موقفه الطبيعى من كل ذلك الدمار لوطنه لحرى به أن يكون في مقدمة الداعين لتحقيقات ولجنة دولية تكشف حقيقة هذه الحرب وليس العكس. هل البرهان والحركة اللإسلامية مستعدون لذلك، وهل سيرحبون بكشف الحقيقة للشعب والعالم أجمع؟ الإجابة ببساطة (لا).
أخيرا،، إن أشر الناس من نطق بشهادة الإسلام وإتجر بها بينما فعاله كلها لا تنتج إلا القبح والشر والكراهية. ولهذا وفى إطارى الشخصى فأنا أشهد الله بأن الإخوان المسلمين ليسوا بمسلمين وإن نطقوا الشهادة. فإنكارهم لجرائمهم بل ومحاولة نسبتها إلى غيرهم إنما يدل بما لا يدع مجالا لشك أنهم فئة لا تخاف الله فحسب بل فإنهم لا يعتقدون في آخرة وأنهم ملاقوه يوما. لا يمكن لمسلم أن يحمل على عاتقه كل تلك الأوزار وهو مؤمن بأنه ملاق ربا ينذره بالقول (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}) فلا يفعل هذا إلا الملاحدة الماديون الذين لا يعتقدون في بعث أو حساب

زر الذهاب إلى الأعلى