الأعمدة

حكاية أول هدف وآخر ركلة : دائرة القدر المونديالية المغلقة، لوران ومونتييل: الرجلان اللذان كتبا سفر البداية والنهايه


#روما،✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
في الثالث عشر من يوليو عام ##1930#، وفي مشهد لا يمكن اختزاله بأي قدر من الدراما، وقف شاب فرنسي في الثالثة والعشرين من عمره على أرض ملعب بوكيتوس في #مونتيفيديو. لم يكن يعلم #لوسيان #لوران، لاعب خط الوسط القادم من قلب مصانع بيجو، أنه على وشك أن يخلد اسمه كأول حكاية ترويها سجلات #كأس #العالم. قبل تسع عشرة دقيقة من صافرة البداية، ارتقى لوران لكرة عالية مررها له زميله إرنست ليبيراتي، وسددها في شباك المكسيك. لم تكن مجرد هدف، بل كانت لحظة ميلاد أسطورة البطولة الأعظم في عالم الساحرة المستديرة.
وبداية الحكاية تعود إلى رحلة بحرية طويلة عبر المحيط الأطلسي. على متن السفينة الإيطالية “كونتي فيردي”، أبحرت مجموعة من الحالمين من ميناء فيلفرانش الفرنسي باتجاه المجهول الكروي. خمسة عشر يوماً في عرض البحر، قضاها لوران مع شقيقه جان ورفاقهما من المنتخب الفرنسي، وبلجيكا، ورومانيا، برفقة رجل حمل حلماً أكبر من الجميع، الفرنسي جول ريميه، الأب الروحي للمونديال. كانت أوروغواي، بطلة الأولمبياد مرتين، تنتظر الجميع لتنظيم أول بطولة مستقلة عن قيود الهواية والاحتراف التي كانت تمزق أوصال اللعبة آنذاك.
ولوسيان لوران لم يكن نجماً متوهجاً بالمعنى العصري للكلمة. كان عاملاً في مصنع بيجو، استغل إجازة طويلة بصعوبة بالغة ليسافر مع زملائه إلى قارة أخرى. حتى لحظة اعتزاله، وحتى وهو يدير حانته الصغيرة التي اشتراها لاحقاً، ظل ذلك المهاجم المتواضع يخجل من حديث المجد. كان يردد دائماً أن زميله هو من مرر له الكرة فسجلها، وكأن القدر اختار شخصاً لا يهوى الأضواء ليشعل أول شمعة في تاريخ المونديال. عاش لوران 97 عاماً، ورحل في 2005، تاركاً خلفه إرثاً من التواضع النادر، وشريطاً قصيراً بالأبيض والأسود يوثق أول صرخة فرح مونديالية.
والغريب في سردية القدر أن فرنسا، التي خطت الحرف الأول في كتاب كأس العالم، حضرت أيضاً لتشهد على خاتمة الفصل الأبرز بعد 92 عاماً. في الثامن عشر من ديسمبر عام 2022، على أرض ملعب لوسيل في قطر، وأمام ما يقرب من 89 ألف متفرج، تحول نهائي المونديال إلى لوحة فنية معذبة للأعصاب. وقف منتخب الأرجنتين وجهاً لوجه مع فرنسا في مباراة لم تشبه أي نهائي آخر. كانت معركة بين أسطورتين، ليونيل ميسي وكيليان مبابي، في ليلة اختلط فيها المجد بالحسرة.
وتقدم ميسي من نقطة الجزاء، ثم أضاف أنخيل دي ماريا هدفاً ثانياً بدا معه اللقب محسوماً لراقصي التانغو. لكن مبابي، وفي غضون دقيقة واحدة، قلب كل الموازين بهدفين صاعقين في الدقيقتين 80 و81، لتنفجر المباراة من تحت الرماد. امتدت الملحمة إلى شوطين إضافيين، سجل فيهما ميسي هدفاً ثالثاً رد عليه مبابي بثلاثية شخصية تاريخية من علامة الجزاء، ليقود الجميع إلى لحظة الحسم الأكثر قسوة، ركلات الترجيح.
وفي تلك اللحظة، كان غونزالو مونتييل، مدافع أرجنتيني لا يحمل في قدميه سوى 25 عاماً من العمر، يتقدم نحو نقطة الجزاء. أدرك مونتييل أن تسديدته هي الفاصلة بين انتظار دام 36 عاماً وبين المجد الأبدي. سدد الكرة بيمناه، وسكنت الشباك الفرنسية، لتنهار الدموع من عيون ميسي، وليسجل مونتييل الهدف الأخير الحاسم في آخر نسخة مكتملة من كأس العالم. منح الأرجنتين كأسها الثالثة، وغلق الدائرة التي بدأها لوسيان لوران قبل أكثر من تسعة عقود.
وهكذا تدور عجلة التاريخ في كأس العالم، تبدأ بهدف من قدم عامل فرنسي متواضع في ملاعب مونتيفيديو الترابية، وتنتهي بركلة جزاء من مدافع أرجنتيني على أرض ملعب مكيف الهواء في لوسيل. بين الهدفين، مسافة من الزمن والمشاعر لا تقاس بالسنوات، بل بالحكايات التي تحولت فيها كرة القدم من هواية لعمال المصانع إلى صناعة عالمية توقف أنفاس المليارات.

زر الذهاب إلى الأعلى