الأعمدة

الجواز السوداني بين القيمة السيادية والرهن المالي!

أذكر ـ والذكرى تنفع المؤمنين ـ أنني خلال عملي بإحدى الوزارات الخدمية، أثناء إقامتي بدولة الإمارات العربية المتحدة لعقود، كنا نطلب من المراجعين جوازات سفرهم لنختم عليها بما يفيد حصول صاحب العلاقة على الخدمة التي طلبها، وذلك لأسباب احترازية وإجرائية.
وكان اللافت أننا كنا نفاجأ أحياناً بمواطني بعض الدول يرفضون تسليم جوازاتهم للختم، تقديراً لما يرونه في جواز السفر من قيمة سيادية ورمزية وطنية لا يجوز التعامل معها كوثيقة عادية. بل كان بعضهم يفضل التنازل عن الخدمة نفسها على أن يضع ختمها على جوازه!
استحضرت هذه الواقعة وأنا أشاهد تسجيلاً مصوراً متداولاً لسيدة مصرية تعرض أعداداً من جوازات السفر السودانية، قالت إن أصحابها تركوها لديها، إلى جانب وثائق أخرى، كضمان مقابل بضائع ـ ربما كانت أثاثاً منزلياً ـ أخذوها ولم يسددوا قيمتها، وإنها تحتفظ بهذه الجوازات إلى حين سداد المستحقات.
ثم أشارت إلى أن أصحاب تلك الجوازات لم يعودوا إلى المحل رغم مرور فترة من الزمن، ولوّحت بأنها قد تنشر أسماءهم وبياناتهم إذا لم يحضروا لتسوية ما عليهم.
وبعيداً عن تفاصيل الواقعة ومدى دقة ما ورد في التسجيل، وهي أمور تحتاج إلى التحقق، فإن القضية في جوهرها تثير سؤالاً أكبر بكثير من مجرد دين تجاري أو خلاف بين بائع ومشترٍ:
هل يجوز أن يتحول جواز سفر المواطن إلى ورقة ضمان لدين شخصي؟
في تقديري: لا.
فجواز السفر ليس ملكاً تجارياً قابلاً للرهن والمساومة، وإنما هو وثيقة تصدرها الدولة لإثبات هوية مواطنها وتمكينه من الحركة خارج حدودها، وتحمل في طياتها قيمة سيادية تتجاوز صاحبها إلى الدولة التي يمثلها.
وهنا ينبغي ألا نغفل الظروف القاسية التي دفعت أعداداً كبيرة من أبناء السودان إلى مغادرة بلادهم، تاركين وراءهم كل شيء، واللجوء إلى مصر الشقيقة وغيرها من البلدان بحثاً عن الأمان.
ونحن ندرك تماماً أن مصر، في هذه الظروف الاستثنائية، تحملت عبئاً إنسانياً كبيراً في استضافة أعداد ضخمة من السودانيين، ولا يمكن إنكار ما قدمه الشعب المصري ومؤسساته من مواقف تستحق التقدير.
لكن هذا الجانب الإنساني لا يعفي المواطن السوداني، في المقابل، من مسؤوليته الأخلاقية في الوفاء بما عليه من التزامات. فالحرب قد تفسر العجز، لكنها لا ينبغي أن تجعل الوفاء بالدين أمراً ساقطاً من الحساب.
ومن هنا فإن رسالتي ليست إلى طرف واحد.
إلى المواطن السوداني:
لا تجعل حاجتك العابرة تدفعك إلى الاستهانة بوثيقة وطنية يفترض أن تصحبك أينما حللت. وإذا كانت لك مديونية، فابحث عن تسوية تحفظ حق الطرف الآخر وتصون كرامتك في الوقت نفسه. فالظروف القاهرة قد تبرر التأخر، لكنها لا تبرر الاختفاء.
وإلى السفارة السودانية وقنصلياتها في مصر:
لعل من واجبها، متى تأكدت من مثل هذه الحالات، أن تتواصل مع الجهات التي تحتفظ بجوازات المواطنين، وأن تعمل على استردادها وتسليمها لأصحابها بالطرق القانونية، دون أن يعني ذلك ـ بطبيعة الحال ـ تحمل الدولة للديون الخاصة التي ترتبت على أصحابها.
وقد يكون بعض أصحاب هذه الجوازات قد غادروا مصر بالفعل ضمن برامج العودة الطوعية، وربما يكون آخرون قد فقدوا وثائقهم أو دخلوا في ظروف استثنائية. ولهذا فإن معالجة الأمر رسمياً أفضل من ترك جوازات مواطنين سودانيين معلقة في محال تجارية أو عرضة للتداول والتشهير.
ونحن هنا لا نريد أن نحول واقعة فردية إلى اتهام لشعب شقيق، ولا أن نبرر لمن أخذ حقاً من أحد ثم تهرب من سداده.
إنما نريد أن نقول إن الدين دين، والجواز جواز.
ولذلك أعرض هذا التسجيل، لا بغرض التشهير بأحد، وإنما عسى أن يصل إلى السودانيين المعنيين، إن كانوا لا يزالون في مصر، فيبادروا إلى التواصل مع الجهة صاحبة الحق وتسوية ما عليهم، أو الاتفاق على صيغة تحفظ للطرف الآخر حقه وتعيد إلى المواطن السوداني وثيقته التي لا ينبغي أن تكون رهينة لخلاف مالي مهما كان.
كما أرجو أن يصل هذا الأمر إلى الجهات الدبلوماسية السودانية، لعلها تنظر في الأمر من زاويته السيادية والوطنية، بعيداً عن تفاصيل الدين التجاري نفسه.
فالجواز السوداني، في نهاية الأمر، ليس مجرد صفحات وأختام وصورة شخصية.
إنه عنوان وطن، وهوية مواطن، وامتداد لسيادة دولة.
وليتنا نعيد إليه بعضاً من ذلك الاحترام الذي كان يحظى به ذات يوم، حين كان جوازنا السوداني يفتح لصاحبه أبواباً كثيرة، وكانت له مكانة تفرض الاحترام في محطات الطيران وموانئ البلدان.
وليت المواطن السوداني، أينما حل، يدرك أن احترام الآخرين لجوازه يبدأ من احترامه هو لجوازه، ومن احترامه لالتزاماته، ومن حرصه على ألا تكون صورة السوداني في بلاد الناس إلا امتداداً لصورة وطنه الذي نحبه ونحلم أن يستعيد عافيته ومكانته.
عافى الله سوداننا وأهله، وأخرجهم من ذل الأزمات وشتات الحروب، وأكرم مواطنيه حيثما حلوا، وردّ إلى وطننا أمنه وعافيته، وإلى جوازه ذلك المجد التليد الذي كان يسبق حامله إلى الاحترام.
والله المستعان.

زر الذهاب إلى الأعلى