الأعمدة

الفاشر.. حين وحّدت السودان وأيقظت الضمير الإفريقي

لم تكن فاجعة الفاشر مجرد مأساة جديدة في حرب السودان، بل كانت صرخة وجدان وحدت القلوب والضمائر، حيث توحد السودانيون حولها كما يتداعى الجسد لألمه، فكانت الفاشر عنواناً للألم المشترك والإحساس الجمعي، بل كانت الفاشر سبباً في توحيد أفريقيا لأول مرة عبر موقف مشترك بين مفوضية الاتحاد الأفريقي، ومجلس السلم والأمن الأفريقي اللذين أدانا بوضوح جرائم ميليشيا الدعم السريع.

إدانة المؤسستين الأفريقيتين حملت دلالات عميقة، إذ كسرت جدار الصمت وسَمّت الجاني باسمه دون مواربة، فحين يوجّه الاتهام صراحةً إلى ميليشيا الدعم السريع، فذلك يعني أن القارة بدأت ترى المشهد على حقيقته: جيش وطني يقاتل دفاعاً عن الدولة، وميليشيا عابثة تمارس التطهير العرقي وتمزق النسيج الاجتماعي في دارفور.

ولعل أبرز ما جاء في بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي رفضه لما سماه “الترتيبات الموازية”، في إشارة مباشرة إلى ما يسمى بالحكومة الموازية التي أعلن عنها تحالف “تأسيس”، واتخذ من نيالا عاصمة مؤقتة له، مع محاولات متسارعة لنقلها إلى الفاشر تمهيداً لإعلان ما يُعرف بـ“دولة الجنيد”، وهو رفض واضح لأي محاولة لتقسيم السودان أو خلق كيان سياسي بديل للدولة الوطنية، وتأكيد قاطع على أن الحلول لا تكون إلا عبر مؤسسات الدولة الشرعية لا عبر المشاريع الانفصالية أو الوكيلة.

كما رفض مجلس السلم والأمن الأفريقي أي تدخل أجنبي في شؤون السودان، ودعا إلى تحقيق عاجل في مصادر التسليح والدعم التي تتلقاها الأطراف المتحاربة، وتصب هذه الدعوة عملياً في مصلحة الجيش السوداني، فمصادر تسليحه مشروعة بوصفه جيش دولة، بخلاف الميليشيا التي تعتمد على دعم خارجي مشبوه، فهو إذاً فرز واضح بين من يحمي الوطن ومن يهدده.

ولا بد من الإشادة في هذا المقام بجهود بعثة السودان لدى الاتحاد الأفريقي بقيادة السفير الزين إبراهيم حسين، التي تحركت بذكاء ومهنية لتعرية الميليشيا أمام القارة، فكانت النتيجة إدانة تاريخية تُحسب للدبلوماسية السودانية، ويبقى واجب اللحظة اليوم أن يخرج السودانيون في كل الولايات في مواكب سلمية تندد بجرائم الجنجويد في الفاشر، تأكيداً لوحدة الموقف الشعبي والوطني في وجه الجريمة والعدوان.

زر الذهاب إلى الأعلى