الأعمدة

“البرهان بين نارين: حين يصبح السلام رهينةَ الإفلات من العدالة

”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في المشهد السوداني المضطرم بنيران الحرب وأدخنة السياسة، يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، على جسرٍ هشٍّ محفوف بالمخاطر من كلا الضفتين، فمن أمامه دعوات الضمير الإنساني وصرخات شعبٍ ينزف منذ أبريل ٢٠٢٣م ، ومن خلفه أشباح ماضٍ مثقل بالاتهامات، وسيوف الإسلاميين المسلولة فوق رأسه. وبين هذين الضغطين المتعاكسين تتشكّل واحدة من أعقد معادلات السلام في تاريخ المنطقة الحديث.
وُلدت هذه المعادلة المأساوية من رحم تاريخ لا يرحم، إذ أشرف البرهان خلال عمله في دارفور في مطلع هذا القرن على عمليات قتل جماعي واغتصاب ممنهج وتدمير قرى بأكملها، في إطار حملات التطهير العرقي التي طالت المناطق الرافضة لسلطة البشير. وهي وصمة لم يمحُها الزمن، بل ظلت شاهدةً على مسيرة رجلٍ صعد على أشلاء الضحايا إلى قمة السلطة.
ثم جاءت الجريمة الثانية في اللحظة الأكثر إيلاماً ، حين كان الشعب السوداني يحتفل بأغلى انتصاراته، إذ فُضَّ اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة في الثالث من يونيو ٢٠١٩م بالنار والحديد، فسقط عشرات القتلى وجُرح المئات وأُلقيت جثث الشهداء في النيل محاولةً لطمس الجريمة وإخفاء معالمها. وقد جاء هذا الاتهام مدعوماً بشهادات لا تقبل الجدل، في مقدمتها ما أقرّ به صراحةً الفريق شمس الدين الكباشي، عضو المجلس العسكري الانتقالي والناطق باسمه آنذاك، في تسجيل مرئي موثق لن تطاله أيدي التزوير، ولن تواريه غبار النسيان.
“أسير الماضي في مواجهة الحاضر”
اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب العبثية التي أكلت الأخضر واليابس وأزهقت أرواح الآلاف من السودانيين الأبرياء، باتت الضغوط الدولية تتصاعد من كل حدب وصوب. فالآلية الرباعية الدولية، التي تضمّ الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والمملكة العربية السعودية والإمارات، تشدّ الخناق على طرفي النزاع بمساعٍ حثيثة لإحلال السلام وفق خارطة طريق تبدأ بهدنة إنسانية وتنتهي بعملية سياسية شاملة.
غير أن البرهان لا يزال يرقص على حبال مشدودة بين دعوات السلام وهواجس المحاسبة، فهو يُعلن في آنٍ واحد انفتاحه على المبادرات الدولية ويشترط في الآن ذاته شروطاً تجعل التفاوض الحقيقي أمراً عسيراً، إذ يرفض أن يُفرض عليه سلامٌ يصادر حق قيادته في رسم ملامح المرحلة القادمة. هذا التناقض الظاهر ليس جنوناً ولا عناداً، بل هو تعبير صريح عن معادلة بسيطة في عمقها، مركّبة في تشعباتها: رجلٌ يريد السلام، لكنه لا يأمن على نفسه من ثمنه.
فأي انتقال مدني حقيقي سيفتح لا محالة ملفات الجرائم الموثقة، وهو ما يجعل التمسك بزمام السلطة شرطاً وجودياً لدى من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين. والبرهان يعلم هذه الحقيقة المرّة علم اليقين، مما يفسّر كثيراً مما يبدو للمراقبين تعنتاً غير مبرر أو مراوغةً مقصودة، فهو لا يخشى السلام في حدّ ذاته، بل يخشى ما يعقبه.
“دروس التاريخ: حين يُغلق الباب على المتهمين”
ليس البرهان الأول في هذا المأزق، ولن يكون الأخير ما لم تستخلص المجتمعات الدولية الدروس الكافية من تجارب الماضي، فشارل تايلور، الرئيس الليبيري الذي تلطخت يداه بدماء الحرب الأهلية، ظل يتمسك بالسلطة سنواتٍ طويلة ما دام يرى أن التنحي يعني تسليم رقبته لمحكمة جنايات دولية، ولم يتركها إلا حين قُدِّمت له ضمانات اللجوء السياسي في نيجيريا، وسلوبودان ميلوسيفيتش في يوغسلافيا كان مثالاً آخر على زعيم حوّلت اتهامات المحكمة الجنائية الدولية تمسكه بالسلطة إلى قضية بقاء وجودي لا مجرد طموح سياسي، وفي كلتا الحالتين كان الثمن الذي دفعته الشعوب طوال سنوات الصراع أفدح بكثير مما كان يمكن أن تدفعه لو قُدِّمت المخارج الآمنة في وقت مبكر.
أما عمر البشير نفسه، سلف البرهان وصانعه، فقد ظل يقاوم أي حل سياسي حقيقي طوال عقود لأن تنحيه يعني في تقديره تسليم نفسه لمذبح العدالة الدولية، فآثر التشبث بكرسي السلطة ولو على جماجم شعبه. والمفارقة أنه في نهاية المطاف أُطيح به بثورة شعبية، دون أن يتمكن من صنع السلام الذي كان يمكن أن يجعله شريكاً فيه لا ضحيةً له.
“الإسلاميون: الظل الداكن على طاولة السلام”
ولا تكتمل الصورة دون استحضار الفيل الجاثم في الغرفة: جماعة الإخوان المسلمين وفلول النظام البائد الذين يمسكون بخيوط خفية كثيرة في البنية العسكرية والسياسية السودانية. هؤلاء يدركون قبل غيرهم أن أي سلام حقيقي يفضي إلى حكم مدني ديمقراطي هو نهايتهم السياسية وبداية محاكمتهم القانونية. فهم لذلك يلوّحون للبرهان بأن كل خطوة نحو الحل السياسي هي خطوة نحو الهاوية، ويُوهمونه بأن الحرب المستمرة هي الضمان الوحيد لبقائهم جميعاً خارج القفص الزجاجي.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: البرهان الذي صنعه هذا النظام بات رهينةً له، وضحيةً لنفس الشبكة التي أنتجته، وسجيناً لتحالفات يعلم في قرارة نفسه أنها تأكله ببطء وترهن قراره بأجندتها. فهو لا يقود المشهد بحرية تامة كما قد يبدو لبعض المراقبين، بل يتحرك في هامش ضيق تحدده تقاطعات القوى التي تحيط به وتحاصره من كل جانب.
“الرباعية: وساطة أم تقاطع مصالح؟”
ولا يجوز في سياق تشريح هذا المشهد أن نُجلّل الرباعية الدولية بهالة القداسة والنوايا الخالصة، فهي في نهاية المطاف تجمع دولٍ تتقاطع مصالحها في السودان أحياناً وتتعارض أحياناً أخرى. فمصر التي تجمعها بالجيش السوداني علاقات تاريخية وعسكرية وثيقة، لا تنظر إلى الحل بالعين ذاتها التي تنظر بها الإمارات التي اتُّهمت بدعم قوات الدعم السريع في مراحل مختلفة من الصراع. والمملكة العربية السعودية التي تسعى إلى دور الوسيط الإقليمي النبيل تحرّكها في الوقت ذاته اعتبارات أمن البحر الأحمر واستقرار جوارها الجغرافي. أما الولايات المتحدة فإن انخراطها يتذبذب وفق أولويات إدارتها الداخلية ومدى انشغالها بملفات أخرى.
هذا التضارب في الأجندات يمنح البرهان هامشاً للمناورة أوسع مما يبدو، إذ يُحسن توظيف التناقضات بين أعضاء الرباعية ذاتها لكسب الوقت وتقديم تنازلات لفظية بلا مضمون حقيقي. ولذلك، فإن إصلاح آلية الوساطة ذاتها وضمان تناسق مواقف أعضائها هو شرط لا يقل أهمية عن الضغط على طرفي النزاع.
“الغائب الأكبر: صوت الضحايا”
في خضم كل هذا الحديث عن الضمانات والمناورات والمصالح، يكاد يغيب صوت هو الأجدر بأن يكون في صدارة المشهد: صوت ضحايا دارفور، وأسر شهداء فضّ الاعتصام، والمدنيين الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم وذويهم في حرب لم يختاروها ولم يُشعلوا نارها.
هؤلاء الضحايا ليسوا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الإنسانية، بل هم أصحاب الحق الأصيل في أن يُبنى السلام على أسس تعترف بمظالمهم وتُنصفهم ولو في الحد الأدنى. وأي سلام يُبنى فوق آلامهم دون اعترافٍ حقيقي بما لحق بهم هو سلام هش البنيان، مكتوبٌ عليه الانهيار في أول اختبار. وعليه، فإن صياغة الضمانات التي نُطالب بها للبرهان ينبغي أن تُقرن بصياغة موازية لضمانات حقوق الضحايا، وألا يأتي أمان الجلاد على حساب كرامة من ظلموا.
“ماذا لو سقط البرهان؟ سيناريو لا يجرؤ كثيرون على التفكير فيه”
ثمة سؤال مشروع يطرحه البعض في همس: هل سيكون السودان أفضل حالاً لو أُزيح البرهان أو سقط؟ والإجابة الصادقة هي أن المشهد أكثر تعقيداً مما تبدو عليه المسألة في ظاهرها.
فالفراغ الذي سيخلّفه غياب شخصية تمسك بزمام المؤسسة العسكرية في هذه اللحظة البالغة الحساسية قد يفتح أبواب الجحيم على مصراعيها، إذ تتربص بالمشهد السوداني قوى متعددة، من فلول الإسلاميين إلى أمراء الحرب الإقليميين الطامعين في ملء الفراغ، وصولاً إلى احتمال تفكك المؤسسة العسكرية ذاتها إلى مليشيات متنازعة. وفي هذه الحالة قد ينزلق السودان نحو النموذج الليبي أو الصومالي، حيث تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية فوق جثة الدولة المفككة.
هذا لا يعني بطبيعة الحال تبرير بقاء البرهان إلى ما لا نهاية، بل يعني أن إدارة الخروج لا تقل أهمية عن الخروج ذاته، وأن أي حل يُعجّل بانهيار المؤسسة العسكرية دون بناء بديل وطني متماسك ينتهي إلى كارثة أشد وطأة على المدنيين السودانيين.
“مخرج من المأزق: الضمان مقابل السلام”
أمام هذا الواقع المعقد، تبقى المعادلة التي تنتظر من يجرؤ على صياغتها بصدق ووضوح: هل يمكن تقديم السلام هديةً مجانية دون أن نسأل صانعيه عن ثمنه الشخصي؟
الإجابة الواقعية، والمؤلمة معاً، هي: لا. فالرجل الذي يملك مفاتيح السلام لن يفتح أبوابه إذا كانت تلك الأبواب تؤدي مباشرةً إلى قاعة المحاكمات. لذلك، فإن على الرباعية الدولية والقوى المدنية السودانية أن تتجاوز النبرة الأخلاقية المجردة إلى البراغماتية الضرورية، وأن تدرك أن السلام الناقص الذي يوقف الحرب ويُعيد السودان إلى مسار الحياة أجدى ألف مرة من العدالة الكاملة التي تبقى حلماً بعيد المنال فوق ركام الدمار والموت.
لا بدّ إذن من صياغة ضمانات واضحة ومُلزِمة تكفل للبرهان ولمن في موقعه حداً معقولاً من الأمان السياسي، في مقابل خطوات حقيقية وقابلة للتحقق نحو الحل السياسي الشامل والانتقال الديمقراطي. ولعل نموذج العدالة الانتقالية الذي أرست قواعده تجارب دولية ناجحة كجنوب أفريقيا ما بعد نظام الفصل العنصري يوفر قالباً مرناً يُتيح جسوراً آمنة للخروج من دائرة الصراع، دون أن يُسقط العدالة كلياً عن أجندة المستقبل. فالاعتراف والمصالحة الحقيقية أحياناً يبنيان ما عجزت الأحكام والمحاكمات عن بنائه، ويضعان الأساس لمستقبل لا تتكرر فيه الجرائم لأن المجتمع اختار أن يتجاوزها بوعي وشروط لا أن يتناساها بصمت وخوف.
” دماء السودانيين لا تحتمل المزيد”
السودان اليوم يدفع ثمناً لا يُحتمل ولا يُوصف، شعبٌ بأكمله يُدفع إلى جحيم الجوع والنزوح والموت في معادلة لا يستفيد منها إلا الذين يستمدون بقاءهم من استمرار الفوضى وتغذية جمر الحرب. ووطنٌ كان يوماً يُعدّ من أغنى بلدان القارة الأفريقية بموارده وتنوعه وعمق تاريخه، بات اليوم على حافة الانهيار الشامل.
لذا، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس الاختيار المطلق بين العدالة والسلام، بل في إيجاد الصياغة الذكية التي تجعل السلام ممكناً دون أن تُسقط العدالة نهائياً عن أجندة الغد. ولعل الضغط الدولي المحسوب، والقوى المدنية السودانية الواعية، قادران معاً على إقناع البرهان بأن الطريق الوحيد إلى الأمان الحقيقي والشرعية الدائمة يمر بإنقاذ السودان لا بإطالة أمد نزيفه.
وفي نهاية المطاف، فإن التاريخ لا يرحم الجلادين ولا يذكرهم بخير مهما طال بهم الأمد، لكنه قد ينظر بعيون أكثر رأفةً ومراعاةً إلى من أسهموا في وقف الحرب وردّوا الأمل إلى شعبٍ نُهبت منه أحلامه وسُرقت منه أيامه وحُرم من أبسط حق من حقوق الإنسان: حق العيش بسلام على أرضه.

زر الذهاب إلى الأعلى